التخطي إلى المحتوى

القاهرة – دعت مصر إلى منع تجدد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران واستئناف المفاوضات بين البلدين لكسر حالة الجمود الراهنة والتوصل إلى تسوية دبلوماسية مستدامة، في تحرك يعكس توجه القاهرة إلى تكثيف الاتصالات مع القوى الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد، بالتوازي مع التشديد على ضرورة وقف الاعتداءات التي تستهدف السعودية ودول الخليج.

وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي هذه المواقف خلال لقاءات منفصلة مع نظرائه الباكستاني محمد إسحاق دار والبريطاني إيد ميليباند والألماني يوهان فاديفول، على هامش اجتماعات وزارية في إسطنبول، حيث تركزت المباحثات على تطورات الأزمة الأميركية الإيرانية وسبل خفض التوتر ومنع اتساع رقعة الصراع.

وخلال لقائه الوزير الباكستاني، شدد عبدالعاطي على ضرورة الحيلولة دون تجدد المواجهات العسكرية والعمل على تجاوز الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران، بما يسمح باستئناف الحوار وإرساء تسوية دبلوماسية مستدامة. كما بحث الوزيران جهود احتواء التوتر الإقليمي، وأكدا أهمية التوصل إلى تفاهمات تنهي الأزمة وتحد من تداعياتها الأمنية والاقتصادية.

وثمن الوزير المصري جهود الوساطة التي تبذلها عدة أطراف، خصوصاً باكستان وقطر، مجدداً دعم القاهرة للمساعي الرامية إلى خفض التصعيد وتوفير الظروف اللازمة لاستئناف المفاوضات. ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه أهمية الوساطات الإقليمية، في ظل استمرار الخلافات بين الطرفين بشأن شروط إنهاء المواجهة وإعادة فتح مضيق هرمز.

وتطرقت المباحثات المصرية الباكستانية أيضاً إلى تطورات اليمن، حيث أدان عبدالعاطي الاعتداءات التي تستهدف السعودية ودول الخليج، داعياً إلى تكثيف التحركات الدبلوماسية لمنع اتساع الصراع. وفي السياق نفسه، اتفق الوزيران المصري والبريطاني على مواصلة التنسيق بشأن جهود خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية، مع المطالبة بوقف الاعتداءات على السعودية فوراً.

وتعكس هذه المواقف حرص القاهرة على التعامل مع التوتر الأميركي الإيراني باعتباره أزمة تتجاوز حدود العلاقة الثنائية، نظراً إلى انعكاساتها المحتملة على أمن الخليج والممرات البحرية وإمدادات الطاقة، فضلاً عن ارتباطها بأزمات إقليمية أخرى يصعب احتواء تداعياتها بصورة منفصلة.

وفي لقائه نظيره الألماني، بحث عبدالعاطي جهود منع تجدد المواجهات واحتواء التوتر الإقليمي، إلى جانب ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري، معرباً عن تطلع مصر إلى زيادة الاستثمارات الألمانية وتعزيز التعاون الثنائي.

كما تناولت المباحثات الأوضاع في قطاع غزة، حيث شدد الوزير المصري على أهمية مواصلة الجهود لتنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام بالكامل. وحذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، محذراً من تداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وفي الشأن السوداني، جدد عبدالعاطي دعم مصر لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية، مؤكداً رفض أي محاولات لتقسيم البلاد أو زعزعة استقرارها. ويبرز هذا الموقف اتساع نطاق الاهتمامات المصرية من احتواء المواجهة الأميركية الإيرانية إلى حماية الاستقرار في دول الجوار ومنع تفاقم الأزمات الإقليمية.

وتأتي التحركات المصرية وسط تعثر الجهود الرامية إلى تسوية الخلاف بين واشنطن وطهران، واستمرار التباينات بشأن شروط إعادة فتح مضيق هرمز. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد قال، في مقال نشرته صحيفة ‘فايننشال تايمز’ البريطانية الأربعاء، إن فرص إحراز تقدم في المفاوضات تتضاءل مع استمرار التهديدات الأميركية، متهماً واشنطن بعدم الرغبة في التوصل إلى اتفاق.

وفي أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، قدمت إيران، عبر وسطاء قطريين، شروطاً لإعادة فتح المضيق، تضمنت إنهاء القتال وإتاحة أموالها المجمدة ورفع الحصار البحري، فيما ربط رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف استعادة الثقة بالولايات المتحدة بتنفيذ مطالب طهران السبعة.

وبدأ التصعيد بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أبريل/نيسان، لكن الولايات المتحدة استأنفت هجماتها على مواقع إيرانية في 8 يوليو/تموز، لتعلن طهران بعد أربعة أيام إعادة إغلاق مضيق هرمز، وسط استمرار تعثر المفاوضات.

وبينما تراهن القاهرة على استئناف الحوار وتفعيل الوساطات، تبقى فرص التهدئة مرتبطة بمدى استعداد الطرفين لتقليص الخلافات بشأن شروط التسوية، وتجنب خطوات عسكرية جديدة قد توسع نطاق المواجهة وتزيد الضغوط على أمن المنطقة واقتصادها.

وتكتسب التحركات المصرية أهمية من جمعها بين مسارين متوازيين: الدفع نحو استئناف المفاوضات الأميركية الإيرانية، والتأكيد على حماية أمن السعودية ودول الخليج من تداعيات التصعيد، فالقاهرة لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها خلافاً ثنائياً بين واشنطن وطهران فحسب، بل باعتبارها عاملاً مؤثراً في توازنات المنطقة وأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة.

ويكشف اختيار لقاءات منفصلة مع مسؤولين من باكستان وبريطانيا وألمانيا عن توجه مصري لتوسيع التنسيق مع أطراف تمتلك قنوات اتصال أو أدوات دبلوماسية يمكن أن تسهم في احتواء الأزمة. وتبرز باكستان وقطر خصوصاً لدورهما في جهود الوساطة، فيما يوفر التنسيق مع القوى الأوروبية مجالاً لتوحيد المواقف الداعية إلى الحل الدبلوماسي.

لكن الدعوة إلى استئناف المفاوضات تواجه عقبات تتجاوز مجرد إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، فشروط طهران المتعلقة بإنهاء القتال والأموال المجمدة والحصار البحري، إلى جانب الخلاف بشأن مضيق هرمز، تشير إلى اتساع الملفات التي يتعين تسويتها، بينما تعكس التصريحات الإيرانية استمرار انعدام الثقة في النيات الأميركية.

إلا أن نجاح الوساطات لن يتوقف على كثافة الاتصالات وحدها، بل على إمكان التوصل إلى تفاهمات متبادلة بشأن وقف التصعيد وضمانات التنفيذ وترتيبات الملاحة. كما أن استمرار التهديدات المتبادلة قد يقلص مساحة التحرك الدبلوماسي، ويجعل أي تقدم عرضة للانتكاس.

وفي البعد الخليجي، تحمل إدانة الاعتداءات على السعودية ودول الخليج رسالة بأن خفض التصعيد لا ينفصل عن حماية أمن الدول المتضررة من امتداد الصراع، فإعادة فتح مضيق هرمز واستقرار حركة الملاحة لا يمثلان مجرد تفصيل في المفاوضات، بل يرتبطان بمصالح اقتصادية وأمنية تتجاوز أطراف المواجهة المباشرة.

كذلك، تكشف المباحثات بشأن غزة والضفة الغربية والسودان عن محاولة مصرية للحفاظ على مقاربة إقليمية أوسع، تمنع أن تطغى الأزمة الأميركية الإيرانية على بقية الملفات أو أن يؤدي تصاعدها إلى تعقيد فرص التسوية فيها.

ومع ذلك، لا تعني كثافة التحركات الدبلوماسية اقتراب التسوية بالضرورة؛ إذ تظل النتائج رهناً بمواقف واشنطن وطهران ومدى استعدادهما لتقديم تنازلات. وفي ظل تضارب الشروط واستمرار أزمة الثقة، تبدو الأولوية المصرية منع العودة إلى المواجهة العسكرية واحتواء تداعياتها، تمهيداً لتهيئة الظروف أمام تسوية أكثر استدامة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *