إسطنبول – انطلق اجتماع وزراء خارجية مجموعة “آر 4″، التي تضم تركيا ومصر وباكستان والسعودية، ومجموعة “إي 3″، التي تضم بريطانيا وألمانيا وفرنسا بمشاركة إيطاليا، لمناقشة قضايا إقليمية، في اختبار لقدرة القوى الإقليمية والأوروبية على تنسيق مواقفها تجاه تهديدات الملاحة وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
ويأتي الاجتماع في وقت تتداخل فيه ملفات الحرب المرتبطة بإيران وأمن الخليج واليمن والقضية الفلسطينية، بالتوازي مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية. ويمنح هذا التزامن الدول المشاركة حافزاً للتشاور، لكنه يضعها أمام اختبار صعب يتمثل في التوفيق بين مصالحها المختلفة، وتحديد الملفات التي تستطيع التأثير فيها بصورة مباشرة.
وأفادت مصادر في وزارة الخارجية التركية بأن الاجتماع يبحث أيضًا فرص التعاون والتنسيق المستقبلي بين دول المجموعتين.
ومن المرتقب أن يشدد فيدان خلال الاجتماع على أن تحقيق الأمن الإقليمي يتطلب، في المقام الأول، تحمّل دول المنطقة مسؤولياتها، وأن تركيا تعطي الأولوية لتعزيز آليات التعاون القائمة على “الملكية الإقليمية”. وسيحذر من أن النزاعات الحالية تغذي بعضها بعضًا، ومن خطر امتداد الصراعات إلى ساحات جديدة.
ومن المنتظر أن يؤكد فيدان أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وعرقلة إسرائيل جهود السلام، وعدوانيتها الممتدة إلى المنطقة، تمثل الأسباب الأساسية للتصعيد في الشرق الأوسط.
وتتمثل إحدى أبرز نقاط القوة في جمع دول تمتلك أدوات تأثير مختلفة. فتركيا تجمع بين علاقاتها الإقليمية وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، والسعودية ومصر تمتلكان ثقلاً سياسياً عربياً، فيما تتمتع باكستان بعلاقات مع أطراف إقليمية ودولية متعددة. أما بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فتستطيع توظيف علاقاتها الدبلوماسية وأدواتها الاقتصادية ضمن جهود خفض التصعيد.
وقد يساعد هذا التنوع على تبادل الرسائل وتنسيق التحركات، خصوصاً في الملفات التي تتقاطع فيها مصالح الطرفين، مثل حماية طرق التجارة والطاقة، ومنع اتساع المواجهات العسكرية.
لكن اختلاف الأولويات يظل عاملاً محدداً لفاعلية الاجتماع. فالمواقف الأوروبية من إيران وأمن الملاحة لا تتطابق بالضرورة مع حسابات الدول الإقليمية، كما أن الدول الأربع في “آر 4” ليست كتلة متجانسة في علاقاتها مع القوى المتصارعة. ولذلك، فإن الاتفاق على ضرورة الاستقرار لا يعني بالضرورة الاتفاق على الوسائل اللازمة لتحقيقه.
ويمثل أمن الملاحة في مضيق هرمز أحد الملفات الأكثر قابلية لاختبار نتائج الاجتماع، نظراً إلى انعكاساته المباشرة على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. كما يكتسب أمن باب المندب أهمية موازية في ظل المخاطر التي تواجه حركة السفن في البحر الأحمر.
وتشير المواقف المعلنة قبل الاجتماع إلى اهتمام بريطاني وأوروبي بإعادة ضمان حرية الملاحة، بالتوازي مع تأكيد تركيا أهمية الحلول الدبلوماسية للأزمة المرتبطة بإيران.
غير أن تحويل هذه المواقف إلى نتائج يتطلب أكثر من بيان مشترك؛ إذ يحتاج إلى تفاهم بشأن آليات خفض التصعيد، والتواصل مع الأطراف المعنية، ومنع الحوادث البحرية من التحول إلى مواجهة أوسع. كما أن حماية الملاحة لا يمكن فصلها عن معالجة أسباب التوتر، خصوصاً أن الإجراءات الأمنية وحدها لا تضمن استدامة الاستقرار.
وفي اليمن، يمكن للتنسيق بين الدول المشاركة أن يدعم جهود التهدئة وحماية السعودية من الاعتداءات، لكن التأثير في مسار النزاع يتطلب أيضاً التواصل مع الأطراف اليمنية المعنية، وربط الترتيبات الأمنية بمسار سياسي أوسع.
وتطرح القضية الفلسطينية اختباراً آخر لفاعلية المجموعة، في ظل استمرار الحرب في غزة والخلافات بشأن السياسات الإسرائيلية. وقد يوفر الاجتماع فرصة لتقريب المواقف العربية والأوروبية بشأن وقف التصعيد وحماية المدنيين ودعم المسار السياسي، لكن أثره سيظل محدوداً ما لم يقترن بتحركات عملية تضغط باتجاه تغيير الوقائع على الأرض.
وتبرز المشكلة ذاتها في سوريا، حيث تتطلب حماية الاستقرار تنسيقاً بشأن السيادة السورية ومنع التصعيد والتعامل مع التدخلات الخارجية. إلا أن تعدد الأطراف المؤثرة في الملف السوري يجعل التوصل إلى موقف مشترك قابلاً للتنفيذ أكثر تعقيداً من مجرد إعلان دعم الاستقرار.
وأنشأت تركيا ومصر وباكستان والسعودية آلية “آر 4” بهدف دعم الاستقرار الدائم وتعزيز الحوار بشأن القضايا الإقليمية.
وعقد وزراء خارجية دول المجموعة 6 اجتماعات حتى اليوم، كان أولها في الرياض يوم 18 مارس/آذار الماضي.
أما الاجتماع الأخير، فعُقد في نيويورك يوم 21 سبتمبر/أيلول الماضي، على هامش الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما آلية مجموعة الدول الأوروبية الثلاث “إي 3″، نشأت في إطار التعاون الدبلوماسي الثلاثي المتواصل منذ عام 2003 بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وتحولت الآلية مع مرور الوقت إلى إطار لتنفيذ مبادرات دبلوماسية مشتركة بشأن قضايا إقليمية ودولية مختلفة.

التعليقات