الرياض – بعض الأصوات لا تحتاج إلى حضور دائم على المسرح كي تبقى قريبة من الناس. يكفي أن تبدأ أغنية قديمة حتى تعود معها وجوه وأماكن ومشاعر ظن أصحابها أن السنوات أبعدتها عن الذاكرة. ولعل هذه العلاقة بين الصوت والذكريات كانت الحاضر الأبرز في أمسية ‘عودة الغايب’، التي شهدت عودة الفنان اللبناني فضل شاكر إلى الحفلات الجماهيرية بعد نحو أربعة عشر عاماً من الغياب.
فعلى مسرح أبوبكر سالم في العاصمة السعودية الرياض، الخميس وبين أضواء المسرح والألعاب النارية، ظهر شاكر ببدلته الداكنة ونظارته الشمسية، ممسكاً بالميكروفون أمام جمهور طال انتظاره لهذه اللحظة. واختار أن يستهل لقاءه بأغنية ‘معقول أنساك.. معقول’، التي بدا عنوانها أقرب إلى سؤال يختصر علاقة الفنان بمحبيه، بعدما بقيت أغنياته حاضرة رغم ابتعاده عن الحفلات.
ولم تكن العودة حدثاً فنياً يخص شاكر وحده، فقد حملت الأمسية بعداً عائلياً مع ظهور نجله الفنان محمد شاكر إلى جانبه. وفي مشهد جمع الأب والابن على المسرح، التقت تجربتان من جيلين مختلفين؛ الأولى تستعيد حضورها المباشر أمام الجمهور، والثانية تمضي في بناء مسارها الغنائي. وكان في هذا اللقاء ما يضيف إلى عنوان ‘عودة الغايب’ معنى آخر، يتصل باستمرار الحكاية الفنية وانتقالها بين الأجيال.
وجاء الحفل بمبادرة من المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه السعودية، ضمن فعاليات موسم الرياض، وسط إقبال جماهيري أدى إلى إضافة أمسية ثانية مساء الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول.
ليس من السهل تفسير العلاقة التي يصنعها صوت غنائي مع جمهوره، فنجاح الأغنية قد يرتبط بلحن جميل أو كلمات مؤثرة، لكن استمرارها في الوجدان لسنوات يحتاج إلى شيء آخر. وقد امتلك فضل شاكر خصوصية في أداء الأغنية الرومانسية، جعلت أعمالاً مثل ‘معقول’ و’لو على قلبي’ و’بياع القلوب’ تتجاوز زمن صدورها، لتصبح جزءاً من الذاكرة العاطفية لدى مستمعيها.
لم يعتمد حضوره على قوة الصوت وحدها، بل على طريقته في إيصال الإحساس، وعلى مساحة الهدوء التي يتركها للكلمات كي تصل إلى المستمع دون تكلف. ولهذا تبدو بعض أغنياته أقرب إلى حديث شخصي، حتى عندما يؤديها أمام جمهور واسع.
وفضل شاكر بالنسبة إلى كثير من محبيه ليس مجرد صوت جميل أو إحساس عابر؛ إنه أشبه بنسمة هواء تأتي من زمن الأغنية الجميلة، فتوقظ تفاصيل ظلت ساكنة في الذاكرة، فهناك من تعيده إحدى أغنياته إلى حب قديم، وآخر إلى فراق، أو طريق طويل، أو لحظة عائلية، أو سنوات مراهقة كانت الموسيقى فيها رفيقة لتجارب الحياة الأولى.
ومن هنا يمكن فهم ما حملته أمسية الرياض من حنين، فالجمهور لم يأتِ ليستمع إلى أغنيات يعرفها فحسب، بل ليعيشها من جديد بصوت صاحبها، بعدما أصبحت لكل أغنية حكايتها الخاصة لدى من يسمعها.
نوال الكويتية.. ‘أحاول’ تعود بعد ربع قرن
ولأن الحفل استند إلى فكرة العودة، جاءت مشاركة الفنانة نوال الكويتية لتمنحه واحدة من أبرز لحظاته الفنية، فقد ظهرت إلى جانب فضل شاكر لتشاركه أداء أغنية ‘أحاول’، التي جمعتهما عام 2001، فعادت بعد نحو ربع قرن بصوتيهما على المسرح.
كان اللقاء استعادة لتعاون غنائي جمع مدرستين مختلفتين في الأداء العاطفي، إحداهما تستند إلى رهافة الصوت اللبناني، والأخرى تحمل دفء الأغنية الخليجية. وبينهما مساحة مشتركة تقوم على القدرة على التعبير عن المشاعر، وهي المساحة التي منحت ‘أحاول’ حضورها لدى محبي الفنانين.
لكن نوال لم تكتفِ بمشاركة شاكر الغناء، بل أضافت إلى اللقاء لحظة إنسانية عندما عبّرت عن سعادتها بوجودها في حفل عودته، وتمنت ألا يُحرم الجمهور من حضوره على المسرح. وكشفت أنها أمضت الليلة السابقة تفكر في لقب يليق به، قبل أن تتوجه إليه قائلة: “أنت صوت العشاق يا فضل”.
ولم يكن هذا الوصف مجرد مجاملة بين فنانين، بل بدا قريباً من الصورة التي رسمتها أغنيات شاكر في وجدان جمهوره، فالرومانسية في تجربته ليست موضوعاً غنائياً فحسب، وإنما ملامح هوية فنية رافقته منذ بداياته، وأسهمت في استمرار حضوره لدى أجيال مختلفة.
غياب عن المسرح لا عن الأغنية
وعلى الرغم من ابتعاد فضل شاكر عن الحفلات سنوات طويلة، وما رافق مسيرته من قضايا وإجراءات قضائية في لبنان، لم يتوقف حضوره الموسيقي، فقد واصل إصدار أعمال جديدة والتواصل مع جمهوره عبر المنصات الرقمية، فيما تبقى المسائل القضائية ضمن مسارها القانوني المستقل عن قراءة تجربته الفنية.
وشهد عام 2025 نشاطاً غنائياً لافتاً، من ‘طلت الشتوية’ و’أحلى رسمة’ إلى ‘وغلبني’ و’الحب وبس’ و’كيفك ع فراقي’ و’صحاك الشوق’. وأسهمت هذه الأعمال في الحفاظ على صلته بالمستمعين، بل وفي وصول صوته إلى جيل جديد لم يعايش بداياته الفنية.
وهنا تكمن مفارقة عودته؛ فالفنان الذي ابتعد عن المسرح لم يبتعد تماماً عن حياة جمهوره. ظلت الأغنيات تقوم بدور الصلة بين الطرفين، إلى أن جاء حفل الرياض ليمنح تلك العلاقة حضوراً مباشراً بعد سنوات اقتصرت فيها على الاستماع من خلف الشاشات.
الرياض تحتضن العودة
وقد منح موسم الرياض هذه العودة إطاراً احتفالياً واسعاً، جمع الإخراج المسرحي والمؤثرات البصرية والأجواء الموسيقية، في تنظيم يعكس المكانة المتنامية للمملكة العربية السعودية في استضافة الفعاليات الفنية الكبرى واحتضان أصوات عربية من أجيال وتجارب مختلفة.
ولم تكن أهمية استضافة فضل شاكر في حجم الحفل وحده، بل في إتاحة مساحة للقاء فني طال انتظاره، ضمن مشهد ثقافي وترفيهي تسعى الرياض من خلاله إلى توسيع حضورها بوصفها وجهة للفنانين والجمهور العربي.
وفي أجواء طغت عليها مشاعر الامتنان، وجّه شاكر شكره إلى أهل الرياض على حفاوة الاستقبال والمحبة التي أحاطوه بها، كما أعرب عن تقديره للمستشار تركي آل الشيخ على مبادرته ودوره في إتاحة هذه العودة إلى المسرح.
وكان الفنان اللبناني قد خاطب محبيه قبيل الحفل قائلاً “اشتقتلكم وبعرف اشتقتولي”، في كلمات بسيطة حملت ما يكفي للتعبير عن خصوصية اللقاء، بعيداً عن الخطابات الطويلة.
أما الجمهور الذي جاء من داخل المملكة وخارجها، فقد وجد في أغنيات فضل شاكر ما يعيده إلى مراحل مختلفة من حياته، حيث امتزج الطرب بالحنين، وتحولت القاعة إلى مساحة مشتركة بين أجيال تستحضر روح الماضي بإحساس الحاضر.
ولعل أكثر ما منح الأمسية دلالتها الإنسانية كان اختيار شاكر أن يختتم حفله بأغنية ‘إلا وأنا معاك بحس بروحي طايرة’، فقد بدت كلماتها، في سياق عودته بعد سنوات طويلة من الغياب، وكأنها تعبير رمزي عن استعادة الفنان إحساسه بالحرية فوق المسرح، حيث يجد صوته مساحته الطبيعية، وتلتقي روحه مجدداً بمحبة جمهوره.
وهكذا، من سؤال البداية ‘معقول أنساك.. معقول’ إلى إحساس التحليق في أغنية الختام، اكتملت حكاية ‘عودة الغايب’ بين فنان لم يغادر صوته ذاكرة محبيه، وجمهور أعاد إليه دفء المسرح. وبين حفاوة الرياض ومشاركة نجله محمد ومفاجأة نوال الكويتية، لم تكن الأمسية مجرد استئناف للحفلات، بل ليلة استعادت فيها الذكريات صوتها، واستعادت فيها الروح إحساسها بالتحليق.

التعليقات