بغداد/دمشق – من المقرر أن يزور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي سوريا الأسبوع المقبل، أي خلال الفترة من 26 أكتوبر/تشرين الاول إلى 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ضمن جولة رسمية تشمل لبنان وسوريا، على أن تكون بيروت المحطة الأولى، لكن موعد الزيارة إلى دمشق لم يُحدد رسمياً حتى الآن ولم يُعلن يوم الوصول بالتحديد.
ومن المقرر أن يفتح خلال زيارته المرتقبة إلى سوريا ملفات استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، في مقدمتها إحياء خط تصدير النفط عبر الأراضي السورية، وتعزيز ضبط الحدود المشتركة، وتنظيم الزيارات الدينية. وتعكس هذه الملفات سعي بغداد إلى تنويع منافذ تصدير النفط وتقليص تعرض صادراتها للمخاطر الإقليمية، بالتوازي مع معالجة تحديات أمنية ولوجستية تتطلب تنسيقا مباشرا مع دمشق.
ومن المقرر أن يتصدر مشروع إعادة تشغيل خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس جدول المباحثات، إلى جانب بحث إنشاء مسارات بديلة تتيح نقل ما يصل إلى مليوني برميل يوميا أو أكثر، وفقا لما كشفه مصدر حكومي عراقي. ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية في ظل المخاطر التي تواجه حركة تصدير الخام عبر مضيق هرمز، وما تفرضه الاضطرابات الإقليمية من ضغوط على أمن إمدادات الطاقة.
ولا يقتصر التفكير العراقي في هذا المشروع على استعادة مسار تصديري قديم، بل يرتبط بمحاولة بناء خيارات جغرافية متعددة لتسويق النفط، بما يقلل الاعتماد على المنافذ المعرضة للتعطل في أوقات الأزمات، غير أن تحويل هذه الفكرة إلى مشروع قابل للتنفيذ يتطلب اتفاقات فنية واقتصادية بشأن مسار الأنبوب وكلفته وسعته، فضلا عن ضمانات أمنية وتفاهمات طويلة الأجل مع الجانب السوري.
ويمثل ملف الحدود المشتركة محوراً آخر في الزيارة، إذ تعتزم بغداد طرح استكمال الأجزاء المتبقية من السور الحدودي، ولا سيما مقطع داخل الأراضي السورية لا يتجاوز طوله، بحسب المصدر، 180 كيلومترا. وتشمل الخيارات المطروحة تولي العراق استكمال التحصينات وسد الثغرة المتبقية، مقابل ضمانات تلبي متطلباته الأمنية.
ويعكس هذا الملف أولوية منع تسلل المسلحين وتهريب الأسلحة والبضائع، في منطقة ظلت التحديات الأمنية فيها مرتبطة بتداخل الأوضاع المحلية والإقليمية. كما أن الاتفاق على ترتيبات مشتركة لضبط الحدود قد يشكل اختبارا لقدرة بغداد ودمشق على الانتقال من التنسيق السياسي إلى تعاون ميداني قابل للقياس، خصوصا في ظل حساسية المناطق الحدودية وتعدد الجهات الناشطة فيها.
وفي الجانب الديني، تتضمن المباحثات إعادة تنظيم السياحة الدينية والسماح للعراقيين بزيارة المراقد المقدسة في سوريا، ضمن مذكرات تفاهم واتفاقيات تنظم حركة الزوار. ويحمل هذا الملف أبعادا اقتصادية واجتماعية، نظرا إلى ما يمكن أن توفره الزيارات من موارد لقطاعات النقل والفنادق والخدمات، لكنه يحتاج أيضا إلى ترتيبات واضحة بشأن التأشيرات والأمن وحماية الزوار وتنظيم حركة الوفود.
ومن اللافت أن الزيارة، بحسب المعلومات المتداولة، ستتم بدعم جوي أميركي وإسناد لوجستي، على خلفية المخاطر الأمنية في المنطقة. ويشير ذلك إلى استمرار حضور الاعتبارات الأمنية في تحركات المسؤولين العراقيين، حتى عندما تكون أهداف الزيارة اقتصادية أو دبلوماسية. كما يسلط الضوء على أهمية توفير ضمانات أمنية للتحركات الرسمية في ظل التوترات الإقليمية، من دون أن يعني هذا الدعم بالضرورة وجود اتفاق جديد أو تحولا في طبيعة العلاقات العراقية السورية.
وتأتي سوريا ضمن جولة خارجية للزيدي تشمل لبنان، التي ستكون محطته الأولى، قبل الانتقال إلى دمشق والعودة إلى بغداد. ويمنح جمع المحطتين في جولة واحدة الزيارة بعدا إقليميا، إذ تتيح للعراق بحث ملفات الطاقة والأمن والتعاون الاقتصادي مع دولتين ترتبطان به جغرافيا وتتأثران بتطورات المنطقة.
وتكتسب الجولة دلالة إضافية في ضوء زيارة رئيس الوزراء العراقي الأخيرة إلى الرياض، ضمن تحركات شملت الكويت أيضا، فالتواصل مع العواصم الخليجية، ثم الانتقال إلى بيروت ودمشق، يضع بغداد أمام فرصة لتوسيع علاقاتها الإقليمية وتنويع مسارات التعاون، مع إبقاء المصالح الاقتصادية والأمنية في صدارة الأولويات.
لكن نجاح هذا المسعى سيظل مرتبطا بقدرة الحكومة العراقية على تحويل المباحثات إلى اتفاقات عملية، لا سيما في ملف النفط الذي يحتاج إلى استثمارات وبنية تحتية وضمانات تشغيلية، وفي ملف الحدود الذي يتطلب تنسيقا مستمرا بين الأجهزة المعنية.
ولا تبدو زيارة سوريا مجرد محطة بروتوكولية ضمن جولة خارجية، بل محاولة لفتح مسارات تعاون تمس أمن العراق الاقتصادي والحدودي، في وقت تتزايد فيه أهمية تنويع طرق تصدير الطاقة وتخفيف تداعيات الأزمات الإقليمية. وستكشف النتائج الفعلية للمباحثات ما إذا كانت بغداد ودمشق قادرتين على بناء تفاهمات قابلة للتنفيذ، خصوصا في الملفات التي تتجاوز المصالح السياسية إلى التزامات مالية وأمنية طويلة الأمد.

التعليقات