لم يعد إعلان الجيش الإسرائيلي تعيين أول قائد للواء الفضاء مجرد خبر عسكري يتعلق بتوسيع القدرات الاستخباراتية والعملياتية. إنه يكشف جانبًا من رؤية استراتيجية تتجاوز ميادين القتال التقليدية، وتسعى إلى توظيف التكنولوجيا المتقدمة والقدرات الفضائية في تعزيز الأمن والاقتصاد ومكانة الدولة.
وفي المقابل، يفتح هذا التطور بابًا لسؤالٍ لبناني لا يمكن تأجيله: ماذا حققت عقود من الشعارات العسكرية التي رُفعت باسم المقاومة والتحرير، إذا كان لبنان لا يزال عاجزًا عن تحويل موارده وإمكاناته إلى مشروع مستقر للدولة والتنمية؟
بحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، عيّن رئيس الأركان إيال زامير قائدًا للواء الفضائي الجديد، بعدما كان الضابط المعني يتولى قيادة الوحدة 9900، المتخصصة في الاستخبارات البصرية والجغرافية وتحليل صور الأقمار الاصطناعية. وتندرج الخطوة ضمن مسعى لتجميع المشاريع الفضائية العسكرية وتطويرها، وتعزيز استخدام المعلومات الفضائية في الرصد والتخطيط والعمليات.
والفضاء هنا ليس مجرد ميدان جديد للمواجهة، بل جزء من منظومة أوسع تشمل الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات الصناعية والقدرات التقنية والشراكات الدولية، فالتفوق العسكري الحديث لا يُصنع بالسلاح وحده، وإنما بمنظومة تستطيع إنتاج المعرفة وتحويلها إلى أدوات عملية، ثم تطوير تلك الأدوات بصورة متواصلة.
من خطاب المقاومة إلى حصيلة النتائج
على الطرف الآخر من الحدود، قدّم حزب الله خلال العقود الأربعة الماضية شعارات المقاومة والتحرير ووحدة الساحات و”الكلمة للميدان” بوصفها عناوين لمشروعه العسكري والسياسي، لكن تقييم أي مشروع لا يمكن أن يستند إلى الشعارات التي يرفعها، بل إلى النتائج التي يحققها، وإلى كلفة الوسائل التي يعتمدها على المجتمع الذي يقول إنه يدافع عنه.
وقد أقرّ حسن نصر الله، كما أقرّ مسؤولون وشخصيات من الحزب في مراحل مختلفة، بأنّ القدرات الإسرائيلية تتفوق على قدرات الحزب من حيث التكنولوجيا والإمكانات العسكرية. وهذا الإقرار لا ينتقص بذاته من قدرة أي قوة غير نظامية على إلحاق أضرار بخصم أقوى منها؛ فالحروب غير المتكافئة لا تُقاس بحجم الترسانة وحده، لكنه يطرح سؤالًا عن جدوى بناء استراتيجية طويلة الأمد على مواجهة خصمٍ يمتلك موارد تقنية واستخباراتية وصناعية أوسع، من دون أن تقترن تلك الاستراتيجية بمشروع يحمي المجتمع ويحدّ من كلفة الحرب عليه.
فما الذي حققته هذه الشعارات للبنان؟ وهل أدت الحروب المتعاقبة إلى تثبيت استقرار مستدام، أو إلى تحرير الأرض بصورة نهائية، أو إلى بناء دولة قادرة على حماية حدودها واتخاذ قرارها السيادي؟ أم أنّ البلاد بقيت تتنقل بين المواجهات والدمار والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية، فيما تراجعت قدرتها على الاستثمار والإنتاج وتوفير مقومات الحياة لمواطنيها؟
هذه ليست أسئلة عن النيات، بل عن الحصيلة. وحتى حين يبرر الحزب سلاحه بضرورات مواجهة إسرائيل، تبقى هناك مسؤولية عن نتائج القرارات العسكرية التي تطال بلدًا بأكمله، وعن حق اللبنانيين في مناقشة مستقبلهم بعيدًا عن افتراض أنّ استمرار المواجهة هو الخيار الوحيد المتاح.
‘كاريش’: مفارقة الموارد والفرص الضائعة
هنا تظهر المقارنة الاقتصادية بوضوح في ملف الغاز البحري. فقد دخل حقل ‘كاريش’ مرحلة الإنتاج في أكتوبر/تشرين الأول 2022، بالتزامن مع إتمام اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية. وأتاح الاتفاق لكل طرف متابعة تطوير موارده وفق الترتيبات المحددة فيه، من دون أن يعني ذلك أنّ لبنان فقد حقه في استكشاف موارده البحرية أو أنّ إمكاناته الغازية حُسمت سلفًا.
لكن الفارق بين المسارين ظل لافتًا: استطاعت إسرائيل المضي في تطوير ‘كاريش’ وإنتاج الغاز، فيما بقي لبنان ينتظر نتائج الاستكشاف وتوافر الشروط التجارية والاستثمارية التي تسمح بتحويل موارده المحتملة إلى إنتاج فعلي وعائدات اقتصادية.
ولا يجوز اختزال تعثر القطاع اللبناني في عامل واحد؛ فهو يرتبط أيضًا بالأزمة المالية، وضعف الحوكمة، والمخاطر الاستثمارية، وعدم اليقين السياسي. غير أنّ الحروب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية تضيف أعباءً واضحة إلى بيئة تحتاج أصلًا إلى الاستقرار والثقة والاستثمار طويل الأجل.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التأمل: بينما تُنفق المجتمعات مواردها على البحث والتطوير والبنية التحتية والإنتاج، يجد لبنان نفسه مضطرًا إلى إنفاق طاقته السياسية والاقتصادية على احتواء نتائج الصراعات وإعادة إعمار ما تهدم. وبينما تتقدم مشاريع التكنولوجيا والطاقة في دول أخرى، تتراجع فرص اللبنانيين في الاستفادة من مواردهم بسبب تراكم الأزمات وتضارب الأولويات.
أيّ مشروع للمستقبل؟
لا يحتاج لبنان إلى تقليد إسرائيل، ولا إلى تبنّي خياراتها العسكرية أو السياسية، كي يتعلم من حقيقة أنّ بناء القدرات عملية طويلة الأمد تتطلب مؤسسات مستقرة، واستثمارًا في العلم، وإدارة رشيدة للموارد، وربط الأمن بالتنمية. كما أنّ امتلاك التكنولوجيا لا يمنع الحروب، ولا يجعل أي دولة بمنأى عن الأخطاء أو الكلفة الإنسانية للصراعات.
لكن الدرس الذي يفرض نفسه هو أنّ القوة لا تُقاس فقط بقدرة جهة ما على إطلاق الصواريخ أو خوض المواجهة، بل أيضًا بقدرتها على حماية المجتمع، وصون الاقتصاد، وتوفير شروط الحياة، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ومن هنا، يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحًا: إذا كان التفوق الإسرائيلي يتوسع نحو الفضاء، فإلى أين أوصلت لبنان عقود من الرهان على الأنفاق والسلاح والشعارات؟ وما المشروع الذي يضمن أن تتحول تضحيات اللبنانيين إلى استقرار وسيادة وتنمية، بدل أن تتكرر دورة الحرب والدمار وإعادة البناء؟
قد تختلف الإجابات السياسية، لكن لا ينبغي أن يختلف المبدأ: من حق اللبنانيين أن يحاسبوا أي مشروع يُطرح باسم حمايتهم على أساس نتائجه الفعلية، وأن يطالبوا بدولة تحتكر قرار الحرب والسلم، وتستثمر في الإنسان والاقتصاد، وتدافع عن الأرض من خلال مؤسساتها الشرعية، فالمستقبل لا تصنعه الشعارات وحدها، ولا يكفي أن يظل الميدان حاضرًا في الخطاب السياسي. المستقبل تصنعه القدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج، والموارد إلى فرص، والسيادة إلى مؤسسات، والأمن إلى حياة يستطيع المواطن أن يخطط لها بثقة.
وبين من يوسّع حضوره إلى الفضاء ومن لا يزال يبحث عن مخرج من أزماته على الأرض، يبقى السؤال الأهم للبنان: متى يصبح بناء الدولة هو المشروع الذي تتقدم على أساسه جميع الشعارات الأخرى؟

التعليقات