انتصار الذائقة الأصيلة
ما كادت منافذ الحجز الإلكترونية تفتح أبوابها، حتى تفجّرت حمى غير مسبوقة بين عشاق الطرب، فلم تلبث تذاكر ليلة الافتتاح على مسرح أبو بكر سالم أن تبخرت في غضون دقائق معدودة، وكأن الأكف كانت تتسابق لتمسك بطيف الأمل وتضمن مقعداً في حضرة الشجن العتيق.
وإزاء هذا السيل الجارف من الرغبة الجماهيرية وقوائم الانتظار التي ضاقت بها الفضاءات الرقمية، لم يكن أمام القائمين إلا الاستجابة الفورية بإعلان ليلة ثانية تسير على خطى سابقتها في نفاد سريع، ثم التتويج بليلة ثالثة على رمال المنطقة الشرقية بالخُبر تجمعه بنجله محمد. ولم يخلُ هذا التدفق العارم من صرامة تنظيمية، إذ هبّت الجهات الراعية لكبح جماح المضاربين ومطاردة برمجيات السوق السوداء، حمايةً لحق المتلقي العاشق في الظفر بمقعده دون ابتزاز أو استغلال.
إن في هذا الالتفاف الجماهيري الهادر ما يتجاوز البهجة بمجرد ليلة غناء؛ ليغدو شهادة بيّنة على أن الذائقة الأصيلة لا تموت ولا تتلاشى أمام طوفان الإيقاعات السريعة العابرة، بل تظل معتصمة بالحنين إلى الدفء والخامة الشجية التي تسكن شغاف القلب.
لقد أثبتت هذه العودة أن الفن حين يصدق نبضه ينتصر على الجدران العازلة ومرارات الفراق، لتكون الرياض من جديد موئلا للمواهب الكبرى وبستانا تجتمع فيه ورود الطرب بعد طول ذبول، معلنة أن صاحب الصوت المخملي لم يكن يوما غائبا عن وجدان محبيه، وإنما كان في هجعة انتظار لتشرق شمسه من جديد.

التعليقات