القدس – اعتقلت الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، أكثر من 40 شابا من اليهود المتدينين “الحريديم” المتهربين من أداء الخدمة العسكرية، في خطوة دفعت بقضية تجنيدهم إلى واجهة الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وسط تنافس حاد بين الائتلاف الحاكم والمعارضة اليهودية.
وتزامنت الاعتقالات مع سجال انتخابي حاد، إذ يعرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على “الحريديم” تمرير قانون ينظم تجنيدهم ويحافظ على الإعفاءات لدارسي التوراة. فيما تتهمه المعارضة بعقد “صفقة دنيئة” تضمن له أن تدعم الأحزاب الدينية تشكيله حكومة جديدة، مقابل السماح بالتهرب من الخدمة العسكرية.
ويعد تجنيد “الحريديم” إحدى أهم القضايا الانتخابية، إذ تدعو أحزاب المعارضة إلى تجنيدهم أسوة بباقي الإسرائيليين، فيما يعدهم نتنياهو بتمرير قانون فشلت حكومته الحالية في إقراره.
ويشكل “الحريديم” نحو 13 بالمئة من سكان إسرائيل، البالغ عددهم أكثر من 10 ملايين نسمة، ويرفضون أداء الخدمة العسكرية بدعوى التفرغ لدراسة التوراة، معتبرين أن الاندماج في المجتمع العلماني يهدد هويتهم الدينية.
وقالت هيئة البث الرسمية إن الشرطة العسكرية اعتقلت الثلاثاء، أكثر من 40 شابا من “الحريديم” المتهربين من أداء الخدمة العسكرية فور وصولهم إلى مطار بن غوريون عائدين من نيويورك.
وأوضحت أن هذه الخطوة جاءت في إطار عملية خاصة نفذتها الشرطة، بالتعاون مع وحدة “ميتاف” المسؤولة عن التجنيد في الجيش.
وأضافت “أُحضرت حافلات إلى المطار لنقل المعتقلين إلى مجمّع عسكري، فيما تواصل القوات فحص المسافرين للتأكد من هويات المطلوبين للتجنيد، بعد نقل عدد من المعتقلين إلى الحافلات”.
وبحسب الإجراءات التي أعلنها الجيش، سيُعرض على المعتقلين الالتحاق بالخدمة العسكرية، وسيخضع من يوافق على التجنيد لعقوبة انضباطية، مع مراعاة ظروفه الشخصية، قبل استكمال إجراءات تجنيده، وفق الهيئة. وأردفت “أما من يرفض التجنيد، فسيخضع لإجراءات إنفاذ القانون، وقد تشمل السجن أو الاعتقال أو الاعتقال مع وقف التنفيذ، وفقا لظروف كل حالة”.
ونقلت عن الجيش قوله إن المعتقلين “ملزمون بالتجنيد، وستتم محاكمتهم وفقا للقانون”، مؤكدا مواصلة العمل على تطبيق قانون الخدمة العسكرية بصورة متساوية وإنفاذ واجب الخدمة.
ونتنياهو، المطلوب منذ عام 2024 للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، أعرب عن اعتراضه على اعتقال هؤلاء “الحريديم”. وقال لإذاعة “كول بارما” المحسوبة على “الحريديم”، الثلاثاء “هذا أمر غير مقبول. يجب علينا الحفاظ على عالم التوراة، فهو الذي حافظ علينا”.
واعتبر أن “هذه الاعتقالات تمثل محاولة متعمدة لتقويض عملية تجنيد أبناء المجتمع الحريدي بعيدا عن الإكراه”. وتابع “أكنّ احتراما كبيرا لعالم التوراة، لكن من لا يواظب على الدراسة (في معاهد التوراة)، عليه أن يلتحق بالخدمة العسكرية”.
كما هاجم وزير التراث من حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف عميحاي إلياهو الاعتقالات. وقال أن “اعتقال أفراد من حركة “حاباد” (الحسيديم/ إحدى أكبر المنظمات اليهودية في العالم) العائدين من فترة دراسية في الولايات المتحدة لا يهدف إلى زيادة معدلات التجنيد، بل على العكس تماما”.
وأضاف “فمعظم أفراد “حاباد” ينخرطون في الخدمة العسكرية ويشاركون في تحمل أعبائها. ولسنوات طويلة، اتبع هؤلاء مسارا خاصا للتجنيد، إلى أن قام النظام القضائي بإلغائه”.
واعتبرت المعارضة وعد نتنياهو بتمرير قانون للتجنيد مقابل دعم “الحريديم” له في تشكيل الحكومة بمثابة “رشوة”. وقال زعيم المعارضة يائير لابيد الثلاثاء “كشف نتنياهو هذا الصباح عن صفقته الدنيئة مع (زعيم حزب “شاس” أرييه) درعي و(أحد قادة حزب “يهدوت هتوراه” يتسحاق) غولدكنوبف”.
وأوضح أن الصفقة هي “التهرب من الخدمة العسكرية مقابل تشكيل حكومة”. وأضاف أن “نتنياهو يبيع جنودنا، فقد وعد شخصيا بسن قانون يسمح بالتهرب من الخدمة العسكرية، وهو قانون يضعف الجيش ويقوّض أمننا”.
ويتفاقم الخلاف بشأن تجنيد “الحريديم” في ظل الاستدعاء المتواصل لجنود احتياط، مع استمرار العدوان الإسرائيلي على جبهات عدة في المنطقة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ويواصل الجيش الإسرائيلي حرب إبادة جماعية بقطاع غزة وعدوانا على الضفة الغربية، وشن حربين على كل من لبنان وإيران وغارات جوية على اليمن وقطر، إضافة إلى توغلات برية شبه يومية في سوريا.
وتتألف “الحكومة الصهيونية” من أحزاب تتبنى الأيديولوجية الصهيونية (سواء من اليمين أو الوسط أو اليسار الصهيوني)، وتركز على تأمين ما تعتبره “المصالح القومية للشعب اليهودي”، ما يعني استبعاد الأحزاب الفلسطينية من هذه الحكومات.
وعلى مدى عقود، حصل “الحريديم” على تأجيلات متكررة للخدمة العسكرية بحجة الدراسة في المعاهد الدينية، حتى بلوغهم سن الإعفاء المحددة حاليا بـ26 عاما.
وفي يونيو/ حزيران 2024، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بإلزام “الحريديم” بأداء الخدمة العسكرية، ووقف الدعم المالي للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها التجنيد.
ومنذ ذلك الحين، تتواصل الخلافات بشأن تطبيق القرار، وسط معارضة شديدة من الأحزاب الدينية الحريدية، مقابل ضغوط سياسية وقضائية لتطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية عليهم.

التعليقات