التخطي إلى المحتوى

ملخص

تسعى هذه الورقة إلى تجاوز الخطاب الاحتفالي السائد حول اليوم العالمي للمدرس (5 أكتوبر/تشرين الأول)، لتفكيك مفارقة بنيوية: كلما تضخم الخطاب التكريمي للمدرس، تآكلت مكانته الرمزية والمادية. تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن أزمة المدرس ليست أزمة قطاع تعليمي، بل هي أزمة نموذج حضاري انتقل فيه التعليم من كونه صناعة تأديبية تهدف إلى بناء الملكة، كما حددها ابن خلدون، إلى كونه خدمة قابلة للتسليع والقياس.

مقدمة: لماذا نحتفل بمن يفترض أنه بديهي؟

لا نحتفل بيوم عالمي للتنفس، لأن التنفس بديهي. احتفالنا بيوم عالمي للمدرس هو في حد ذاته اعتراف ضمني بأننا نسينا بداهته. لقد وُلد هذا اليوم في 5 أكتوبر/تشرين الأول 1966 ليس كعيد، بل كتوصية مشتركة بين اليونسكو ومنظمة العمل الدولية حول “أوضاع المدرسين”. كان يوماً حقوقياً بامتياز.

الذي حدث خلال ستين سنة هو انقلاب وظيفي خطير: تحول اليوم من أداة لمساءلة الدولة والمجتمع عن أوضاع المدرس، إلى أداة لمساءلة المدرس عن مردودية المجتمع. أصبحنا نطالب المدرس بأن يكون كل شيء: خبيراً بيداغوجياً، معالجاً نفسياً، خبيراً رقمياً، شريكاً أسرياً، بينما ظل وضعه القانوني والاجتماعي حبيس منطق الهشاشة.

أسمي هذه الظاهرة: مفارقة التضخم الرمزي والانكماش المادي

أولاً: المدرس بين ابن خلدون وبورديو

يقول ابن خلدون إن “تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم”، ويعتبره صناعة. والصناعة عنده ليست مهارة تقنية، بل هي ملكة راسخة لا تتحصل إلا بالتكرار والمعاناة.

المدرس في هذا التصور الخلدوني هو صانع ملكات، لا ناقل معلومات.

يأتي بيير بورديو بعد ستة قرون ليكمل الصورة بمفهوم “رأس المال الرمزي”. المدرسة في نظره هي الحقل الذي يوزع رأس المال الثقافي. والمدرس هو الحارس الرمزي لهذا التوزيع. حين يفقد المدرس رأسه المال الرمزي (الهيبة)، تنهار شرعية التوزيع كله.

وهذا بالضبط ما نعيشه اليوم: موت الهيبة الرمزية للمدرس. لم يعد مصدر الحقيقة. محرك البحث أسرع منه، والذكاء الاصطناعي أكثر لباقة منه. أخطأنا عندما حاولنا أن نجعله ينافس الآلة في المعلومة، بدل أن نعيد تموقعه كمهندس للسؤال، لا كمالك للجواب.

ثانياً: ثلاث جنازات صامتة

أطروحتي أن المدرس المعاصر مات ثلاث مرات، دون أن نقيم له جنازة تليق به:

1.الموت الرمزي: حين انتقلت السلطة من السبورة إلى الشاشة. التلميذ اليوم لا يسأل “هل هذا صحيح؟” بل يسأل “هل هذا موجود على غوغل؟”. فقد المدرس احتكار الحقيقة، ولم نعطه احتكار الحكمة بديلاً.

2.الموت الاجتماعي: وهو موت الأمان. إن تحليل وضعية مدرس التعليم الخصوصي في المغرب – كنموذج دال – يكشف عن هشاشة بنيوية: يُطلب منه التميز بمعايير دولية، ويُعاقد بعقد محدد المدة، وغالباً بدون حماية اجتماعية حقيقية(تصريح جزئي في CNSSأو بدون تصريح في غالب الأحيان)، حرمان مقنع من تعويضات الأمومة). إننا نطلب الولاء من شخص نشعره كل يوم أنه قابل للاستغناء.

3. الموت الأنطولوجي (موت المعنى): وهذا هو الأخطر. لقد انتقلت وظيفة التعليم من مشروع تحرري، كما نظر له علال الفاسي والجابري، إلى مشروع نجاحي صرف: النقطة، المعدل، المدرسة العليا. تحول المدرس من مربٍ على التفكير النقدي، إلى مدرب على اجتياز الامتحان. مات المعنى، وبقيت التقنية.

ثالثاً: من الاحتفال إلى العقد الجديد

إن تجاوز أزمة المدرس لا يكون بالورود في 5 أكتوبر، بل بإعادة تأسيس العقد الاجتماعي للتعليم على ثلاث ركائز:

أ. من الأجر إلى الكرامة: لا جودة بدون كرامة مهنية. والكرامة تبدأ بالاعتراف القانوني والمادي بأن التعليم ليس خدمة، بل هو استثمار حضاري طويل المدى. أي إصلاح لا يبدأ بتحسين الوضعية المادية والرمزية للمدرس هو إصلاح يزين الواجهة وينسى الأساس.

ب. من التكوين التقني إلى التكوين الفلسفي: منظوماتنا التكوينية تعلم المدرس كيف يستعمل اللوح التفاعلي، ولا تعلمه كيف يجيب تلميذاً يسأله: “لماذا أتعلم هذا؟”. نحن بحاجة إلى إعادة الفلسفة إلى قلب تكوين المدرسين، ليكونوا قادرين على تبرير فعلهم التربوي وجودياً، لا إجرائياً فقط.

ج. من المدرسة-المقاولة إلى المدرسة-الجماعة: المدرسة ليست شركة تبيع خدمة لزبون (الأسرة). المدرسة هي جماعة تعلم (Community of Learning) تتأسس على مشروع قيمي مشترك. حين نستعيد هذا البعد الجماعي، يستعيد المدرس دوره كفاعل ثقافي، لا كمقدم خدمة.

خاتمة: المدرس كذاكرة للمستقبل

المجتمع الذي ينسى مدرسه هو مجتمع يفقد ذاكرة مستقبله. فالمدرس ليس موظفاً في الماضي، بل هو الشخص الوحيد في المجتمع الذي وظيفته اليومية هي صناعة المستقبل.

إن اليوم العالمي للمدرس ليس يوماً للاحتفال بالمدرس، بل هو يوم لمساءلة أنفسنا: هل ما زلنا نؤمن بأن الإنسان يصنع الإنسان، أم أننا سلمنا بأن الخوارزمية ستصنعه بدلاً منه؟

الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد ليس فقط مصير المدرس، بل مصيرنا جميعاً.

هوامش ومراجع أولية:

1.  UNESCO / ILO, Recommendation concerning the Status of Teachers, Paris, 1966.

2.  ابن خلدون، المقدمة، الفصل التاسع والثلاثون في تعليم الولدان.

3.  Pierre Bourdieu, La Reproduction, 1970.

4.محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة التربية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *