دمشق ـ على قالب صابون الغار الحلبي، يطبع الصانع اسم عائلته قبل أن يتركه لأشهر من التجفيف، ليحمل هذا الختم الصغير هوية من صنع القطعة، ويصل بين عمل اليد وذاكرة الأسرة، فيما تنتظر القوالب المتراصة مرور الهواء بينها حتى تكتمل رحلتها إلى البيوت والأسواق.
وتتوقف زاوية نبض التراث هذا الأسبوع عند حرفة صناعة صابون الغار الحلبي، التي أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ‘اليونسكو’ عام 2024 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، اعترافاً بقيمة مهاراتها المتوارثة ودورها في حفظ الهوية العائلية والثقافية لمدينة حلب.
وحسب ملف الحرفة لدى اليونسكو، تبدأ رحلة صابون الغار بجمع الأسر ثمار الغار البري من الغابات المحيطة في الخريف، ثم تُغلى الثمار في الماء حتى تتشقق، ويُجمع بعدها الزيت الذي يطفو على السطح، ليصبح أحد المكونات التي تمنح الصابون خصوصيته.
وفي الشتاء تبدأ الصناعة داخل المصابن، حيث يُطبخ زيت الزيتون، الذي يرد في الملف باسم المطراف، مع زيت الغار والمادة القلوية والماء، ويوضح في هذا الصدد لوكالة الانباء السورية ‘سانا’ الصناعي عمار مروان نجار صاحب إحدى الشركات المتخصصة بصناعة صابون الغار والمنتجات الطبيعية، أن إضافة زيت الغار تضيف للصابون رائحته المميزة وخصائصه المطهرة والمضادة للبكتيريا والفطريات.
ويشرح نجار عملية تصنيع الصابون التي تعتمد على مزج هذه المكونات وفق نسب دقيقة ومتوارثة، ثم صب الصابون وتجفيفه وتعتيقه لفترات طويلة قد تتجاوز تسعة أشهر، وهي مرحلة أساسية تمنحه جودته النهائية ولونه البني الذهبي أو الأصفر الداكن نتيجة تعرضه للهواء، بينما يحتفظ في الداخل بلونه الأخضر الزمردي، وهي إحدى العلامات التي يستدل بها على أصالته وجودته.
ويحظى صابون الغار الحلبي بإقبال واسع نظرا لفوائده المتعددة، وفق ما بينه نجار، حيث يُستخدم في تنظيف الوجه والجسم والشعر، والعناية بالبشرة، كما يستخدم ككريم في الحلاقة، مشيرا إلى الإقبال عليه بوصفه منتجا تقليديا يعتمد على زيت الزيتون وزيت الغار.
ويصف ملف اليونسكو انتقال مهارات الحرفة داخل الأسر، حيث يشارك الأطفال في جمع الزيتون وثمار الغار، وتراقب الفتيات أمهاتهن أثناء استخراج الزيت، ويتعلم الأبناء صناعة الصابون من آبائهم.
وفي هذا المسار، تتوزع المشاركة على أعمال متتابعة تجمع أفراد الأسرة، وتتيح للصغار التعرف إلى المواد والأدوات قبل تولي مهام التصنيع، ويشير الملف إلى أن الإنتاج التعاوني يعزز الروابط العائلية والمجتمعية والحوار بين الأجيال.
وتظهر أهمية هذه المعرفة في ترابط مراحل العمل، فالطبخ والتبريد والتقطيع والختم والرص أجزاء من عملية واحدة، ولكل مرحلة أدواتها وتوقيتها، ومع انتقال الخبرة، يتعلم الجيل الجديد طريقة صنع القالب، ويحمل أيضاً مسؤولية الاسم المطبوع عليه.
وتقدم تجربة الحرفي الحلبي عبد الله حردان مثالا على استمرار توريث مهنة صناعة صابون الغار، فخلال مشاركته بمعرض بنان للحرف اليدوية بالسعودية، عُرضت خبرته التي تجاوزت أربعين عاما، ووراثته المهنة عن والده وجده، وحرصه على الحفاظ على طريقتها التقليدية.
وتجد صناعة الصابون في حلب ومحيطها شاهدا موثقا في كتاب التاريخ الطبيعي لحلب والمناطق المجاورة للطبيب ألكسندر رسل، الصادر في لندن عام 1756.
ففي الصفحتين 18 و19، يذكر رسل بساتين الزيتون في إدلب والقرى القريبة منها، واستخدام الزيت والرماد المجلوب من البادية لإنتاج كميات من الصابون في حلب وإدلب، مع إشارته إلى أن القسم الأكبر من الإنتاج آنذاك كان في إدلب.
وتربط هذه الملاحظة صناعة الصابون بتوفر زيت الزيتون ومصدر المادة القلوية، وتكشف امتداد العمل بين المدن ومناطق الإنتاج الزراعي والبادية، وهي صلة تظهر أيضا في وصف اليونسكو للحرفة، حين يتتبع رحلة المواد من جمع الثمار إلى طبخها داخل المصابن.
وفي مثال آخر على الامتداد العائلي، يذكر موقع ناجل، وهو موقع تجاري لعلامة تبيع صابون حلب، أن مصنعه الأسري يواصل هذه الصناعة منذ عام 1895، وفي شهادة صانع الصابون مصباح فنصة لمجلة أرامكو وورلد عام 2004، تحدث عن التصدير إلى فرنسا وأميركا واليابان، وتطوير أشكال القوالب وأحجامها وعبواتها استجابة لطلب الأسواق.
وفي زمننا الراهن تظهر مواكبة صناع الصابون الحلبي للذوق المعاصر وتقديم القطعة بصورة أكثر جذبا واحترافية، بدلا من الشكل التقليدي المتعارف عليه، والتي تظهر في مشاركات الحرفيين بالمعارض التخصصية.
ويضع هذا التنوع المنتج التقليدي أمام احتياجات متغيرة، ويبرز أهمية تعريف المستهلك بتركيبته وطريقة صنعه واستخداماته في التنظيف والعناية اليومية، مع الحفاظ على وضوح المعلومات عن مصدره.
وجاء إدراج حرفة صناعة صابون الغار الحلبي عام 2024، خلال الدورة التاسعة عشرة للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو.
ويبرز الملف المعارف والمهارات المتوارثة، والختم بوصفه تعبيرا عن الإرث والهوية العائلية، وبهذا تتسع قيمة الحرفة لتشمل العلاقات التي تحفظها، ومشاركة الأسر في إنتاجها، وقدرتها على نقل الخبرة إلى من يواصلون العمل.
وفي الشهادة نفسها، شرح فنصة أن اسم والده فؤاد بقي مطبوعا على قوالب الأسرة، وأن ابنه يحمل الاسم نفسه، وأسهم بخبرته الهندسية في تحسين الإنتاج مع استمرار مراحل يدوية في العمل، ملخصاً معنى الاسم على القالب بقوله، “اسم أبي واسم ابني”.
وتناولت مصادر تاريخية عربية وأجنبية صناعة الصابون في حلب ومكانتها الاقتصادية، فأشار ابن العديم (1192–1262م) في كتابه ‘بغية الطلب في تاريخ حلب’ إلى وفرة زيت الزيتون وانتشار هذه الصناعة، فيما وصف كامل الغزي في ‘نهر الذهب في تاريخ حلب’ الصادر سنة 1923، جودة الصابون وأساليب تقطيعه وتجفيفه، كما تناول رسل في كتابه ‘التاريخ الطبيعي لحلب’، صناعة الصابون في حلب وإدلب، وارتباطها بتوافر زيت الزيتون والمواد المستخدمة في إنتاجه.
وبين الحفاظ على أساليب التصنيع التقليدية ومواكبة متطلبات الأسواق، تواصل حرفة صابون الغار الحلبي حضورها، مستندةً إلى خبرات تتوارثها الأسر جيلا بعد جيل، فيما يشكل إدراجها على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي عام 2024، اعترافاً بقيمة هذه المهارات ودعماً لجهود صونها واستمرارها.

التعليقات