التخطي إلى المحتوى

قرأتُ الروايات الثلاث لنجاة عبدالصمد، على التوالي، وخلال فترة قصيرة.  رأيتُ في هذه الراويات المجتمع الأبوي وآلياته الخفية والمعلنة في إخضاع الجسد والروح والريف والجبل والقرية والعائلة والذاكرة والموروث وجملة من القضايا الاجتماعية والإنسانية التي بدت واضحة الحضور.

 غير أن مثل هذه القراءة، على أهميتها، تظلم التجربة الروائية للكاتبة إن اكتفت بالمضمون وأغفلت السؤال الأهم في الأدب: كيف أصبحت هذه النصوص أدباً؟ فالرواية، في نهاية المطاف، لا تقاس بأهمية القضايا التي تتناولها، وإلا أصبح الفرق بين الرواية والمقالة الاجتماعية أو الدراسة الأنثروبولوجية فرقاً شكلياً لا أكثر. 

من هذه الزاوية يمكن النظر إلى نجاة عبد الصمد بوصفها، في المقام الأول، روائية تعرف أن الأدب يبدأ في اللحظة التي تصبح فيها القضية، أي قضية، جسداً وصوتاً ورائحة وبيتاً وطريقاً وذاكرة ووجهاً يطل علينا من بين الكلمات.

روايتها الأولى “لا ماء يرويها”. مسرحها الأساسي جبل العرب في السويداء. من حكاية إمرأة يتاح لنا الدخول إلى العالم الاجتماعي والثقافي والديني للمجتمع الدرزي في جنوب سورية. 

بطلة الرواية اسمها حياة. دلالة مقصودة. تنشأ في بيئة ريفية محافظة، داخل أسرة يحكمها أب قاسٍ وأم خاضعة، وفي عالم يقوم على التمييز الواضح بين الصبي والبنت. 

منذ طفولتها تصطدم حياة بالحدود الموضوعة أمام المرأة: ماذا تفعل وكيف تتصرف ومن تحب ومن تتزوج وإلى أي مدى يحق لها أن تختار مصيرها بنفسها. 

منطقة جبل العرب تعاني شح الماء. تجعل الكاتبة العطش الجغرافي استعارة للعطش الإنساني. الأرض عطشى، لكن النساء أيضاً. بطلة الرواية عطشى إلى الحب والحرية والتعليم والاختيار والحنان وإلى أن يعترف الآخرون بأنها إنسان كامل الإرادة. اسم البطلة حياة، بينما كل ما يحيط بها يعمل على حرمانها من الحياة التي تريدها.

حياة هي صورة عالم كامل: السويداء والقرية والمدينة، العائلات، الزواج، المرأة، الشرف، التقاليد، الموروثات الشفوية، العقائد والحكايات والأساطير المحلية، وعلاقة الإنسان بالأرض والماء. 

ولكن حياة ليست المرأة الوحيدة التي تعاني. الرواية تحيط بمجموعة من النساء اللواتي تتكرر في مصائرهن، بصور مختلفة، بنية واحدة: المرأة تدفع ثمن أفعال قد يُغفر مثلها للرجل أو لا تُعد أصلاً خطيئة إذا ارتكبها. 

الرواية الثانية “خيط البندول”، تقارب، في ظاهرها، العقم والرغبة في الأمومة والطب، لكنها في العمق رواية عن المصير والجسد والفقر والأمومة، وما يستطيع الإنسان اختياره في حياته وما يُفرض عليه رغم إرادته. 

العنوان مأخوذ من لعبة طفولية كانت الفتيات يصنعن فيها بندولاً من خيط ومسمار ثم يستخدمن حركته لاستشراف المستقبل. تظهر اللعبة في طفولة نداء وصديقاتها، ولكنها تتحول روائياً إلى استعارة للسؤال الكبير: إلى أي حد نصنع مصائرنا، وإلى أي حد تحركنا يد خفية كما تحرك اليدُ البندولَ المعلق بالخيط؟

في الرواية ترتقي الأمومة فوق معناها البيولوجي، تسائل التصور الذي يحصر اكتمال المرأة في قدرتها على الإنجاب. الجسد حاضر بقوة، وهذا مفهوم لأن نجاة عبد الصمد طبيبة، والرواية نفسها تدخل عالم الطب والمستشفيات والتحاليل والأدوية والإخصاب والولادة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *