التخطي إلى المحتوى

لندن ـ أظهرت دراسة علمية واسعة أن النساء يعانين مستويات أعلى من الألم مقارنة بالرجال في مناطق متعددة من الجسم، في نتيجة تسلط الضوء على ما يعرف بـ’فجوة الألم بين الجنسين’، وتدعو إلى إيلاء الفروق المرتبطة بالجنس والعمر اهتماما أكبر عند فهم الألم وتشخيص أسبابه والتعامل معه.

ووفقا لما نشرته صحيفة ‘ذا غارديان’ البريطانية، الثلاثاء، استندت الدراسة، التي نشرتها مجلة ‘نيتشر ميديسن’، إلى بيانات أكثر من 6 ملايين شخص من 118 دولة، جُمعت على مدى 35 عامًا بين 1990 و2025.

وشارك في البحث علماء من جامعات ومؤسسات بحثية عدة، بينها جامعة ماكغيل الكندية وجامعة أبردين البريطانية، في محاولة لتكوين صورة واسعة عن أنماط الألم لدى الرجال والنساء عبر مراحل عمرية ومناطق جغرافية مختلفة.

وأظهرت البيانات أن النساء أبلغن عن مستويات أعلى من الألم في 11 منطقة من الجسم، شملت الرأس والوجه والرقبة والكتف واليد والظهر والبطن والورك والركبة، مع بروز الفروق بصورة أكبر في آلام الرأس والوجه والبطن. وتشير هذه النتائج إلى أن التفاوت لا يرتبط بمنطقة واحدة أو نوع محدد من الألم، بل يظهر عبر مجموعة واسعة من الحالات والمواقع الجسدية.

وكشفت الدراسة أيضا عن ارتباط واضح بين الألم والتقدم في العمر، فقد ارتفعت معدلات الألم لدى الرجال والنساء مع مرور السنوات، وبلغت مستوياتها الأعلى عند سن الخامسة والسبعين وما بعدها.

ومع التقدم في العمر، استمر ألم الظهر والورك والركبة في الارتفاع، وهي مناطق ترتبط في كثير من الحالات بالتغيرات الجسدية والعضلية والمفصلية المصاحبة للشيخوخة.

ويبرز ألم الظهر بصورة خاصة ضمن النتائج، إذ أفاد نحو 40 بالمئة من المشاركين بوجود ألم في هذه المنطقة، ما يعكس اتساع نطاق المشكلة وتأثيرها المحتمل في الحياة اليومية والقدرة على الحركة والعمل وممارسة الأنشطة المعتادة.

ويشير الباحثون إلى أن فهم الفروق بين النساء والرجال في تجربة الألم يمثل خطوة مهمة نحو تطوير مقاربات أكثر دقة في الرعاية الصحية، فاختلاف شدة الألم أو أنماطه بين المجموعات السكانية قد يساعد الأطباء والباحثين على تحسين تقييم الأعراض، وعدم التعامل مع الألم باعتباره تجربة متطابقة لدى جميع المرضى.

ولا تعني النتائج أن جميع النساء يعانين ألما أكبر من جميع الرجال، وإنما تكشف عن فروق على مستوى المجموعات عند تحليل البيانات على نطاق واسع. كما أن شدة الألم تتأثر بعوامل متعددة، تشمل العمر والحالة الصحية ونوع الألم والظروف النفسية والاجتماعية، وهو ما يجعل تفسير الفروق مسألة متعددة الجوانب.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل استمرار الحاجة إلى فهم الأسباب التي تجعل تجربة الألم تختلف بين الأفراد.

وقد تساعد البيانات واسعة النطاق في توجيه أبحاث مستقبلية تبحث في العوامل البيولوجية والهرمونية والعصبية والاجتماعية التي قد تسهم في هذه الفروق، بدل الاكتفاء بقياس شدة الألم دون النظر إلى خلفياته المختلفة.

ويرى الباحثون أن تحسين فهم هذه الفجوة يمكن أن ينعكس على مراحل متعددة من الرعاية الصحية، بدءا من الوقاية والكشف المبكر، مرورا بالتشخيص، وصولا إلى اختيار أساليب العلاج الأكثر ملاءمة. كما قد يسهم في تطوير سياسات صحية تراعي اختلاف احتياجات الفئات العمرية والجنسية عند التعامل مع الحالات المرتبطة بالألم المزمن.

وتقدم الدراسة قاعدة بيانات واسعة لفهم انتشار الألم وأنماطه عالميًا. كما تؤكد أن دراسة الألم لا تنفصل عن العوامل الديموغرافية والعمرية، وأن التعامل معه يحتاج إلى مقاربة تراعي الفروق الفردية إلى جانب الاتجاهات العامة التي تظهرها البيانات.

وتفتح النتائج المجال أمام مزيد من البحث لفهم الأسباب الكامنة وراء الفروق المرصودة، وتطوير أدوات أكثر دقة لتقييم الألم والتعامل معه، بما قد يسهم في تحسين جودة الرعاية المقدمة للمرضى وتقليل الأثر الذي تتركه الآلام المزمنة في حياتهم اليومية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *