التخطي إلى المحتوى

نجح الاقتصاد المصري في احتواء جانب من تداعيات الحرب والتوترات الإقليمية التي ضربت حركة التجارة والملاحة في الشرق الأوسط، مستفيدًا من تنوع مصادر النقد الأجنبي، وزيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، ونمو الإيرادات السياحية، إلى جانب تدفقات الاستثمارات الأجنبية وتوافر مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية، وفقًا لما أظهرته المؤشرات الاقتصادية خلال العام المالي 2025-2026.

وجاءت هذه التطورات في وقت واجهت فيه مصر ضغوطًا اقتصادية مباشرة جراء اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وتحويل عدد من شركات الشحن مساراتها بعيدًا عن قناة السويس، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وتأخر وصول الخامات ومستلزمات الإنتاج، وهي عوامل امتدت آثارها إلى المستوردين والمصانع والأسواق المحلية.

ورغم قدرة الاقتصاد على امتصاص جانب من الصدمة، فإن استمرار الاضطرابات يظل مصدر ضغط على تكاليف الإنتاج والأسعار والطلب الخارجي، خاصة مع ارتفاع الاحتياجات التمويلية للشركات وطول دورة الاستيراد، بما يجعل استمرار تدفقات النقد الأجنبي وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد عاملين أساسيين في مواجهة التداعيات المقبلة.

قناة السويس.. خسائر تقترب من 10 مليارات دولار

كانت قناة السويس من أكثر القطاعات تأثرًا بالتوترات الإقليمية، بعدما دفعت المخاطر الأمنية في البحر الأحمر شركات شحن كبرى إلى تحويل مسارات سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى إطالة زمن الرحلات وارتفاع نفقات التشغيل والتأمين، بالتزامن مع تراجع إيرادات أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر.

وقال أيمن الشيخ، رئيس شعبة النقل الدولي واللوجستيات بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن الخسائر المباشرة شملت تراجع إيرادات القناة بنحو 10 مليارات دولار، وفقًا لتقديرات رسمية استندت إلى تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي، موضحًا أن الإيرادات انخفضت بنسب تراوحت بين 60% و70% خلال فترات ذروة الأزمة، مقارنة بالأعوام السابقة.

ولم تتوقف التداعيات عند رسوم عبور السفن، بل امتدت إلى حركة التجارة الدولية وتكاليف استيراد السلع، مع ارتفاع مصروفات الشحن والتأمين واضطرار الشركات إلى تعديل جداول التوريد وإعادة تنظيم مخزوناتها. 

كما ساهمت تقلبات أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد في زيادة الأعباء، خاصة مع تأثر مسارات نقل الحبوب والسلع الأساسية في البحرين الأحمر والأسود.

وأشار الشيخ إلى أن الاقتصاد المصري تحمل كذلك أعباء إضافية مرتبطة باستضافة ملايين اللاجئين والوافدين نتيجة النزاعات الإقليمية، وهو ما فرض ضغوطًا على البنية الأساسية والخدمات العامة والدعم المحلي.

وفي مواجهة هذه التحديات، اتجهت الدولة إلى تعزيز مرونة التشغيل داخل قناة السويس، من خلال تقديم حوافز وتخفيضات استثنائية مؤقتة لبعض الخطوط الملاحية، إلى جانب توفير خدمات بحرية ولوجستية للسفن العابرة، مثل تموين الوقود والإصلاح، بهدف زيادة القيمة الاقتصادية لكل سفينة وتعويض جانب من الخسائر التي لحقت برسوم العبور.

وقال عصام صالح، رئيس شعبة النقل الدولي بالسويس، إن زيادة معدلات التصدير وتراجع فاتورة الاستيراد، إلى جانب إيرادات السياحة والاحتياطيات الدولية، ساهمت في دعم قدرة الاقتصاد على التعامل مع التداعيات، مؤكدًا أهمية تنويع مصادر الغذاء وسلاسل الإمداد والبحث عن أسواق بديلة لاستيراد القمح والسلع الأساسية.

تحويلات المصريين والسياحة تدعمان موارد النقد الأجنبي

أظهرت بيانات البنك المركزي المصري تحسنًا في عدد من مصادر النقد الأجنبي خلال العام المالي 2025-2026، بما ساعد على تخفيف أثر تراجع إيرادات قناة السويس والضغوط الناتجة عن اضطرابات التجارة والملاحة.

وارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 29.6%، لتسجل نحو 47.3 مليار دولار، مقابل 36.5 مليار دولار خلال العام المالي السابق، فيما زادت الإيرادات السياحية بنسبة 10.3% إلى نحو 18.4 مليار دولار، مقارنة بـ16.7 مليار دولار في الفترة المقابلة.

وعلى مستوى قناة السويس، ارتفعت إيرادات رسوم المرور بنسبة 21.6% لتصل إلى 4.4 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، مقابل نحو 3.6 مليار دولار في العام المالي السابق. كما زادت الحمولة الصافية للسفن العابرة بنسبة 22.4% إلى 590.8 مليون طن، وارتفع عدد السفن العابرة بنسبة 9.8% ليسجل نحو 13.6 ألف سفينة.

وتشير هذه الأرقام إلى تحسن نسبي في نشاط القناة واستعادة جزء من حركة العبور، لكنها لا تعني انتهاء التداعيات التي شهدها الممر الملاحي خلال فترات تصاعد الأزمة، إذ يظل التعافي مرتبطًا بالتطورات الأمنية واستقرار حركة التجارة العالمية.

وفيما يتعلق بالتدفقات المالية، سجل ميزان المدفوعات فائضًا كليًا بنحو 2.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، بينما حقق حساب المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفق للداخل بلغ نحو 23.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وقال إبراهيم شلبي، رئيس شعبة النقل الدولي ببورسعيد، إن الشراكات الاستثمارية الكبرى وتدفقات رؤوس الأموال الخليجية والدولية ساعدت في توفير السيولة الدولارية ودعم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، مشيرًا إلى مشروعات استثمارية، من بينها تطوير رأس الحكمة وشراكات الاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن التوجه نحو تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتصبح مركزًا إقليميًا للصناعات المستدامة ومشروعات الهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية يمثل مسارًا لتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على رسوم عبور السفن وحدها، من خلال الجمع بين الأنشطة الخدمية والإنتاجية.

وتؤكد هذه المؤشرات أهمية تعدد روافد النقد الأجنبي، إذ يمكن لنمو التحويلات والسياحة والاستثمارات أن يعوض جزءًا من تراجع أحد المصادر الرئيسية، شريطة استمرار التدفقات وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة في موارد العملة الأجنبية.

المصانع والمستوردون تحت ضغط الشحن

على الرغم من تحسن بعض المؤشرات الكلية، لا تزال الشركات الصناعية والتجارية تواجه تكاليف إضافية نتيجة تأخر وصول البضائع وارتفاع أسعار الشحن والتأمين، فضلًا عن زيادة الاحتياجات التمويلية المرتبطة بإطالة دورة الاستيراد.

وقال أسامة جعفر، عضو شعبة المستوردين، إن اضطرابات سلاسل الإمداد أدت إلى زيادة فترات انتظار البضائع وتأخر تسليم الشحنات، ما رفع تكاليف التخزين والأرضيات داخل الموانئ وعطّل دورة رأس المال لدى الشركات. وأوضح أن تسريع حركة الشحن وتقليل زمن الانتظار يمثلان عاملين مهمين للحد من انتقال هذه الأعباء إلى المستهلكين.

وفي القطاع الصناعي، قال وليد الكفراوي، رئيس مجلس إدارة شركة زهرة المحلة للغزل والنسيج، إن تكاليف الشحن والتأمين ارتفعت بنحو 30% إلى 40%، بالتزامن مع زيادة زمن وصول الشحنات من الأسواق الآسيوية إلى نحو 60 يومًا، مقابل 18 يومًا سابقًا، نتيجة تغير مسارات النقل.

وأضاف أن طول فترة الشحن يزيد احتياجات الشركات إلى التمويل ورأس المال العامل، خاصة الصناعات التي تعتمد على استيراد خامات ومستلزمات إنتاج غير متوافرة محليًا، مثل المواد الكيميائية ومستلزمات الصباغة والألوان.

وأوضح أن المصانع تمكنت من استيعاب جانب من الضغوط حتى الآن، لكن استمرار الأزمة قد يفاقم صعوبة التخطيط للإنتاج، لا سيما مع عدم وضوح المدة التي ستستغرقها اضطرابات الملاحة. كما أشار إلى أن تراجع الإنفاق العالمي على السلع غير الأساسية في ظل عدم اليقين قد يؤثر على الطلب على منتجات مثل الملابس والمفروشات.

من جانبه، قال أيمن رضا، الأمين العام لجمعية مستثمري العاشر من رمضان، إن المصانع تحاول الحد من تأثير ارتفاع تكاليف الشحن والخامات المستوردة، لكنها لا تستطيع تحمل الزيادات في تكاليف الإنتاج لفترات طويلة، ما قد يدفعها إلى تحميل المستهلك جزءًا من هذه الزيادات، خاصة مع ارتفاع سعر الدولار وتكلفة مستلزمات الإنتاج.

وأشار إلى أن وجود مخزون استراتيجي من السلع الأساسية يساعد على تقليل مخاطر نقص الإمدادات، لكنه لفت إلى احتمال استمرار الضغوط السعرية على بعض السلع إذا طال أمد الأزمة وارتفعت تكاليف الإنتاج والنقل.

وفي المقابل، قد تتيح اضطرابات سلاسل الإمداد فرصًا أمام المصدرين المصريين، إذ يمكن لبعض المستوردين في الأسواق الخارجية البحث عن موردين بديلين لتأمين احتياجاتهم. وقال أحمد عزالدين، رئيس لجنة تنمية العلاقات مع الصين بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن استمرار الإنتاج والاستفادة من المخزونات المتاحة قد يساعدان الشركات المصرية على تعزيز حضورها في الأسواق الخارجية، شريطة قدرتها على تلبية الطلبات والحفاظ على انتظام التوريد.

وعلى صعيد الثقة الاستثمارية، قال مصطفى بدر، الخبير الاقتصادي، إن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية والقطاعات الإنتاجية أسهم في دعم التصنيف الائتماني لمصر، بما قد يساعد على تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات والتمويل الخارجي على المدى الطويل.

وكانت وكالة موديز قد رفعت التصنيف الائتماني لمصر إلى مستوى B3 بدلًا من Caa1، مع الإبقاء على نظرة مستقبلية إيجابية، بينما ثبتت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف السيادي عند مستوى B للعملتين الأجنبية والمحلية، على المديين الطويل والقصير، مع نظرة مستقبلية مستقرة.

وأوضح بدر أن تحسن التصنيف قد ينعكس على تكلفة الاقتراض الحكومي وقدرة الدولة على جذب استثمارات جديدة، غير أن أثره يظل مرتبطًا بتطورات الأسواق العالمية، ولا سيما أسعار الفائدة الأمريكية. وشدد على أهمية مواصلة الإصلاحات المالية والاقتصادية، وترشيد الإنفاق، وتعزيز موارد الدولة، بما يدعم خفض عجز الموازنة وتحقيق فائض أولي.

وبذلك، فإن قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص صدمة الحرب لا تعني زوال آثارها، بل تعكس دور تنوع مصادر النقد الأجنبي والمخزونات الاستراتيجية والشراكات الاستثمارية في الحد من التداعيات. ويبقى استمرار اضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف النقل والطاقة من أبرز التحديات التي ستحدد مسار الأسعار والإنتاج والتجارة خلال الفترة المقبلة.

 


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *