التخطي إلى المحتوى

اقتربت الهجمات الحوثية على السعودية من دخول شهرها الثالث، فيما يواجه حلف مكة، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، أول اختبار عملي لالتزاماته الدفاعية، في ظل تحديات تتعلق بآليات التنسيق العسكري وسرعة تحويل التعهدات السياسية إلى قدرات عملياتية على الأرض.

في هذا التوقيت، جاء قرار مجلس الدفاع الوطني المصري، تقديم الدعم اللازم والممكن للسعودية؛ للدفاع عن أمنها واستقرارها، انطلاقاً من العلاقات التاريخية والوشائج المتينة التي تربط بين شعبي البلدين الشقيقين بوصفهما قلب الأمة العربية، وإيماناً بارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي.

التحرك المصري، يستند إلى عدة عوامل أخرى أهمها، علاقات القاهرة مع جماعة الحوثي في اليمن التي تتسم بالتعقيد والحساسية العالية، وتتحرك فيها وفق استراتيجية تجمع بين حماية الأمن القومي، الحفاظ على استقرار حركة الملاحة في البحر الأحمر، والالتزام بدعم الشرعية اليمنية وأمن الخليج.

وتتبنى القاهرة عقيدة استراتيجية واضحة تعتبر أمن دول الخليج العربي خطاً أحمر وامتداداً مباشراً لأمنها القومي. هذا إلى جانب مواقفها السياسية واعتمادها أحياناً على قنوات اتصال دبلوماسية غير معلنة تهدف إلى احتواء التصعيد في البحر الأحمر وتقليل التداعيات السلبية على حركة التجارة الدولية، مع الحفاظ على شعرة معاوية لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة تكبد الجميع خسائر فادحة.

لكن هنا سؤال قد يطرح نفسه تلقائياً، لماذا تختلف استجابة مصر للهجمات التي تتعرض لها السعودية عن طريقة تعاملها مع التحركات والاستفزازات الإثيوبية المرتبطة بأزمة سد النهضة؟

إن المقارنة بين طبيعة التدخل العسكري أو الدعم الموجه للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، وبين التعامل مع أزمة سد النهضة الإثيوبي، تحتاج إلى تحليل المشهد من منظور الاستراتيجية العسكرية، والقانون الدولي، واعتبارات الأمن القومي، للوصول الي الفروق الجذرية بين الحالتين.

أولاً، طبيعة التهديد ونوعه، في الحالة السعودية، يتمثل التهديد في هجمات عسكرية عابرة للحدود بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يطرح خيارات متعددة للدفاع عن الأراضي والمنشآت الحيوية، تشمل تعزيز الدفاعات الجوية وتبادل المعلومات والإسناد العسكري، وصولاً إلى خيارات أخرى يحددها القرار السياسي وطبيعة التهديد. وتظل مشروعية أي تدخل عسكري مرتبطة بأساسه القانوني، بما في ذلك قواعد الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي عند انطباق شروطها، إلى جانب الالتزامات ذات الصلة باتفاقيات الدفاع العربي المشترك.

في الحالة الإثيوبية (سد النهضة)، فإن أي خيار عسكري سيضع مصر أمام تعقيدات قانونية ودبلوماسية وعسكرية بالغة الحساسية، فاستهداف منشأة مائية داخل أراضي دولة أخرى قد يثير نزاعاً خطيراً بشأن مشروعية استخدام القوة، ويعرّض القاهرة لضغوط دولية واسعة، فضلاً عن مخاطر التصعيد الإقليمي. وتتوقف هذه التداعيات على ملابسات العملية وأساسها القانوني وردود الفعل الدولية، لكنها تظل من الاعتبارات الأساسية عند تقييم كلفة الخيار العسكري وجدواه.

ثانياً، التكلفة الإنسانية، فالأضرار المحتملة في حال استهداف السد، يجعل من تدميره مغامرة كارثية قد تؤدي إلى فيضانات وموجات جارفة تدمر السودان وربما اجزاء من مصر، فضلاً عن الخسائر البشرية والبيئية الفادحة.

ليس هذا فحسب، فإن أي عمل عسكري مصري ضد السد قد يصنف بأنه “عدوان” قد يجر على القاهرة إدانات دولية واسعة، وعقوبات اقتصادية، وفقدان الدعم الدبلوماسي العالمي الذي بنته مصر طوال سنوات عبر إثبات تعنت الجانب الإثيوبي ومخالفته للقانون الدولي.

وهناك معضلة تتمثل في بُعد المسافة بين القواعد العسكرية المصرية وموقع السد، وهو ما يتطلب لوجيستيات قد تكون مكلفة ويصعب تأمينها إذا طال أمد الحرب فضلاً عن أن أي حرب ستشعل توترات إقليمية واسعة النطاق في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أصلاً من هشاشة أمنية مفرطة.

في الحالة اليمنية، فإن المعادلة العسكرية المصرية محصورة في الدفاع عن مقدرات المملكة، وليس القيام بهجمات أو اعتداءات على أهداف يمنية أو بنية تحتية. ويبقى التحول إلى عمليات هجومية واسعة النطاق (مثل غزو بري أو حملة جوية مفتوحة داخل اليمن) مستبعداً أو مقيداً للغاية، لأن العقيدة المصرية تفضل دائماً الردع المباشر وحماية خطوط التماس والدفاع عن الحلفاء دون توغل بري داخل الأراضي اليمنية.

عدم إطلاق طلقة عسكرية واحدة أو شن حرب سافرة على إثيوبيا لا يعني أن مصر مكتوفة الأيدي، بل تدير معركة سد النهضة بـ “أدوات أخرى” لا تقل ضراوة، فقد خاضت مصر معركة دبلوماسية وسياسية على كافة المسارات الأفريقية والدولية ومجلس الأمن لتثبيت وثائق قانونية تدين الأحادية الإثيوبية وتجعل العالم شاهداً على حسن نية مصر وتعنت أديس أبابا.

كما تعمل القاهرة على بناء محاور وتحالفات استراتيجية مع دول حوض النيل ودول القرن الأفريقي المجاورة (مثل الصومال وإريتريا وغيرها)، وخلق طوق إقليمي يوازن النفوذ الإثيوبي ويضغط عليه سياسياً واقتصادياً.

في المحصلة، لا تعكس المقارنة بين الموقف المصري تجاه السعودية والتعامل مع أزمة سد النهضة تناقضاً بالضرورة، بقدر ما تكشف اختلاف طبيعة التهديدات وكلفة الاستجابة لكل منها، فالدعم الدفاعي للسعودية يرتبط بهجمات عسكرية مباشرة وبمصالح أمنية واقتصادية مشتركة، بينما يتصل ملف السد بأمن مائي طويل الأمد، وتوازنات إقليمية معقدة، ومخاطر قانونية وإنسانية قد تتجاوز آثارها حدود الدولتين.

ومن ثم، فإن معيار التحرك المصري لا يتمثل في استخدام القوة العسكرية أو الامتناع عنها في المطلق، بل في قدرة أي خيار على حماية المصالح الحيوية للدولة، ومدى مشروعيته، وكلفته، وفرص تحقيقه للهدف المنشود. وتظل فعالية الردع في ملف سد النهضة مرتبطة بتكامل المسارات الدبلوماسية والقانونية والإقليمية مع الاستعداد الدفاعي، من دون افتراض أن اللجوء إلى القوة يضمن بالضرورة تسوية الأزمة المائية.

وفي النهاية، فإن تقديم الدعم العسكري للسعودية لا يعني بالضرورة دخول مصر في حرب، كما أن تجنب الخيار العسكري مع إثيوبيا لا يعني غياب أدوات الضغط والردع، فالمعيار الأساسي يظل قدرة كل خيار على حماية المصالح الحيوية المصرية، وتحقيق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة، ضمن اعتبارات الشرعية القانونية والتوازنات الإقليمي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *