التخطي إلى المحتوى

بغداد – أكد المغرب أن احتواء الأزمات الإقليمية لا يتحقق بالتصعيد والمواجهة، بل باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والاحتكام إلى الحوار والوسائل السلمية، في موقف يعكس تمسك الرباط بمقاربة تقوم على منع اتساع الصراعات وحماية الاستقرار الإقليمي، بالتوازي مع رفض الاعتداءات التي تستهدف الدول العربية والإسلامية، مشددا على رفضه القاطع لتحويل الممرات المائية إلى أوراق ابتزاز.

وجاء هذا الموقف خلال مشاركة المملكة في الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي، المنعقدة في بغداد، حيث شدد فؤاد يزوغ، السفير المدير العام للشؤون السياسية الدولية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، على تضامن بلاده مع الدول الأعضاء التي تعرضت لانتهاكات تمس سيادتها وسلامة أراضيها، معتبرا أن هذه الاعتداءات تمثل خرقا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار.

وجدد المغرب رفضه الاعتداءات التي استهدفت المملكة العربية السعودية، خصوصا تلك التي طالت الأماكن المقدسة والبنيات الأساسية ويحمل هذا الموقف دلالة تتجاوز التضامن السياسي المباشر، إذ يؤكد أن أمن السعودية وسلامة مقدساتها ومنشآتها جزء من منظومة الاستقرار الإقليمي التي ترى الرباط ضرورة حمايتها من التهديدات ومحاولات فرض الوقائع بالقوة.

ويعكس التشديد المغربي على احترام السيادة موقفا يقوم على رفض تحويل الخلافات السياسية إلى مبرر للاعتداء على الدول أو المساس بوحدتها الترابية، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة. كما أن الدعوة إلى الحوار والوساطة تعبر عن توجه يرمي إلى منع الأزمات من التحول إلى صراعات مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.

وتتضح هذه المقاربة كذلك في موقف المغرب من الاضطرابات التي تشهدها الممرات البحرية الحيوية، ولا سيما مضيقا هرمز وباب المندب، في ظل المخاطر التي تهدد حركة الملاحة الدولية وسلاسل إمداد الطاقة، فقد حذر يزوغ من أن التصعيد المتزامن في هذين الممرين قد يؤدي إلى ضغوط مزدوجة على التجارة العالمية، خصوصا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز والعمليات العسكرية التي تنفذها جماعة الحوثي بهدف السيطرة على السواحل اليمنية المطلة على باب المندب.

وفي مواجهة هذه المخاطر، شدد المغرب على أن الممرات البحرية الاستراتيجية ليست ملكية حصرية لأي طرف، بل مسؤولية مشتركة تقتضي ضمان أمنها واستمرار انسياب الملاحة عبرها ومن هنا جاءت الدعوة المغربية، التي سبق طرحها على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى صياغة مدونة سلوك للدول المطلة على المضايق والممرات البحرية، بهدف وضع قواعد استباقية تحول دون استخدامها أدوات للضغط والابتزاز السياسي والاقتصادي.

وتكشف هذه المبادرة عن توجه مغربي نحو معالجة التهديدات البحرية من خلال قواعد مشتركة وآليات وقائية، بدلا من الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الأزمات كما تعكس إدراكا لأهمية أمن الممرات في استقرار الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى ارتباطها بحركة التجارة وإمدادات الطاقة، وما يمكن أن يترتب على تعطيلها من تداعيات تتجاوز المنطقة.

وفي الملف الفلسطيني، جدد المغرب التأكيد على أن القضية تظل في صدارة أولويات سياسته الخارجية بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، مشددا على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مع اعتبار قطاع غزة جزءا منها، وفق حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

ولا يقتصر الدور المغربي في هذا الملف على المواقف السياسية والدبلوماسية، بل يمتد إلى الجهود الميدانية التي تضطلع بها وكالة بيت مال القدس الشريف، الذراع التنفيذية للجنة القدس، عبر مشاريع تستهدف دعم صمود المقدسيين والحفاظ على الهوية الحضارية والروحية للمدينة، وصون الوضع القانوني والتاريخي للأماكن المقدسة وضمان حرية العبادة.

ويؤكد هذا الجمع بين التحرك الدبلوماسي والعمل الميداني خصوصية المقاربة المغربية تجاه القدس، إذ تسعى الرباط إلى ربط الدفاع عن الحقوق الفلسطينية بإجراءات عملية تخفف الضغوط التي تواجه السكان، وتحافظ على مكانة المدينة الدينية والتاريخية.

وعلى مستوى منظمة التعاون الإسلامي، دعا المغرب إلى بلورة مواقف موحدة ومسؤولة إزاء الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية التي تواجه الدول الأعضاء، مشددا على ضرورة احترام سيادتها ورفض التدخل في شؤونها الداخلية ومواجهة الطائفية وخطابات الكراهية والإسلاموفوبيا، إلى جانب دعم الوحدة الوطنية والمصالحة والحوار.

وتبرز دلالات الموقف المغربي في سعيه إلى الجمع بين التضامن مع الدول المستهدفة والدفاع عن القضية الفلسطينية، والتحرك نحو ترتيبات وقائية تحمي الممرات البحرية من التوظيف السياسي والعسكري وهي مقاربة تراهن على العمل الدبلوماسي والقواعد الدولية والتعاون الجماعي، في مواجهة أزمات تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية وتؤكد أن استقرار المنطقة لا يمكن ضمانه من دون احترام السيادة وتغليب التسويات السلمية على منطق القوة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *