بغداد – أفادت هيئة النزاهة العراقية الأحد، بقيام ملاكاتها في مُحافظة كربلاء بتفكيك شبكة تزييف وتلاعبٍ ورشى تمكنت خلالها من إيقاف هدر أكثر من 13 مليار دينارٍ (حوالي 8.5 مليون دولار أميركي) من المال العام في شركة سايلو الحبوب في المُحافظة، في إشارة إلى أن قضايا الفساد لا تزال تتصدر المشهد العراقي، في وقت تواجه فيه الحكومة تحدياً يتمثل في تحويل حملتها لمكافحة الفساد إلى إجراءات مستدامة تحد من التجاوزات داخل المؤسسات الحكومية، وتضمن محاسبة المتورطين واسترداد الأموال المهدرة.
وأشارت الهيئة في بيان رسمي، إلى قيام فريقٍ تحقيق وتدقيق في مكتب تحقيق كربلاء، بالانتقال إلى سايلو كربلاء؛ للتحرّي عن دقَّة المعلومات الواردة بخصوص وجود تلاعبٍ كبيرٍ في كميَّات الحنطة المُسوَّقة إلى السايلو.
وبحسب بيان الهيئة، شملت المخالفات التلاعب بالكميات المعتمدة من وزارة الزراعة، وتضخيم الكميات المسوّقة في بعض الحالات إلى أكثر من عشرين ضعفاً من الكمية الحقيقية، فضلاً عن تكرار تسويق الكمية نفسها إلى فرعين مختلفين. كما ضبطت الهيئة موظفين اثنين على خلفية اتهامات بطلب رشى من المزارعين، وأشارت إلى صدور أوامر استقدام قضائية بحق مدير السايلو و16 موظفاً آخر، مع استمرار التحقيقات لتحديد المسؤوليات القانونية.
وتكتسب القضية أهميتها من ارتباطها بقطاع الحبوب، الذي يتصل بالأمن الغذائي والدعم الحكومي للمزارعين، إذ إن التلاعب في الكميات والأسعار المدعومة لا يقتصر أثره على الخزينة العامة، بل يمتد إلى عدالة توزيع الدعم وإمكانية وصوله إلى مستحقيه.
كما تكشف القضية، عن ثغرات محتملة في الرقابة على عمليات التسويق والاستلام والتدقيق، أتاحت تمرير معاملات مزورة عبر أكثر من جهة رسمية، وفق ما أعلنته الهيئة.
ومنذ توليه رئاسة الحكومة في مايو/أيار 2026، وضع علي الزيدي مكافحة الفساد ضمن أولويات حكومته، وأطلق في 28 يونيو/حزيران حملة واسعة حملت اسم “صولة الفجر”، استهدفت مسؤولين وسياسيين وموظفين في مؤسسات الدولة. وشهدت الحملة اعتقال 47 شخصاً في عمليات أمنية ببغداد، وفق تقارير نشرتها وسائل إعلام، في خطوة عكست توجهاً نحو توسيع نطاق التحقيقات لتشمل مستويات إدارية وسياسية مختلفة.
ولم تقتصر الإجراءات على الاعتقالات، إذ أنشأت الحكومة المجلس الأعلى للرقابة والنزاهة واسترداد أموال الدولة، بهدف تشديد الرقابة على الإنفاق العام ومراجعة العقود الحكومية، كما اتجهت إلى تفعيل آليات الإبلاغ عن الفساد. وأفادت صحيفة “ذا ناشيونال” في أغسطس/آب بأن السلطات استعادت أكثر من مليار دولار في إطار الحملة، فيما تجاوز عدد البلاغات المقدمة إلى هيئة النزاهة 26 ألف بلاغ منذ انطلاقها.
لكن استمرار ظهور قضايا جديدة، من ملفات النفط والعقود الحكومية إلى التلاعب بالحبوب، يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحملة على تفكيك منظومات الفساد، لا مجرد ملاحقة المتهمين في قضايا منفردة. فالكشف عن مخالفات جديدة قد يعكس تحسناً في عمل الأجهزة الرقابية واتساع نطاق التحقيقات، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن استمرار ثغرات في الرقابة والإدارة، تحتاج إلى معالجة تتجاوز التدخل الأمني والقضائي.
كما تواجه الحملة تحديات سياسية، في ظل تقارير عن اعتراضات من قوى داخل التحالف الحاكم على بعض إجراءاتها، وسط مخاوف من تأثير الملاحقات على التوازنات السياسية. وكانت وسائل إعلام قد أشارت إلى اعتراضات من أحزاب شيعية بارزة على أسلوب تنفيذ بعض العمليات، وهو ما يسلط الضوء على صعوبة الفصل بين مقتضيات مكافحة الفساد والحسابات السياسية في العراق.
وتتوقف قدرة حكومة الزيدي على الحد من الفساد على قدرتها على الانتقال من حملات الاعتقال ومصادرة الأموال إلى إصلاحات مؤسسية تمنع تكرار المخالفات. فملاحقة المتهمين تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تكفي إذا ظلت الإجراءات الإدارية والمالية التي سمحت بوقوع التجاوزات قائمة، أو إذا اقتصرت المحاسبة على بعض الأفراد دون الوصول إلى جميع المسؤولين عن المخالفات وفق الأدلة والقانون.
ويحتاج ذلك إلى تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية، وتوسيع التدقيق في العقود والمشتريات الحكومية، وتطوير أنظمة إلكترونية لتتبع الأموال والكميات المدعومة ومنع تكرار المعاملات، إلى جانب حماية المبلغين عن الفساد وضمان نشر نتائج التحقيقات والأحكام القضائية للرأي العام.

التعليقات