التخطي إلى المحتوى

إن التحول السياسي الوطني في سوريا لا يُختزل في لحظة التغيير، فالتحول يجب بالضرورة أن يسبقه بناءٌ لمقدماته الموضوعية والتي تتمثل في إعادة بناء الدولة وتوفير شروط الإمكان؛ انطلاقاً من هذا التصور، فإن السؤال الذي يُطرح بإلحاح متزايد في المشهد السوري اليوم لا يتعلق بإمكانية التغيير من عدمها، فالرغبة في التغيير باتت حاضرة في السواد الأعظم من السوريين، وإنما يتعلق بالشروط الموضوعية والذاتية التي تحول إمكانية التغيير إلى فعل سياسي مؤثر، وبالعوائق البنيوية التي تحول دون تحقيق هذا التحول، وبالقدرة الفعلية للسوريين على الانتقال من حالة التشخيص المستمر إلى حالة العلاج الجذري.

نتيجة لذلك فإن الحديث عن فعل التغيير السياسي الوطني في سوريا اليوم يقتضي التمييز الحاسم بين مستويين لا ينبغي الخلط بينهما؛ مستوى الرغبة في التغيير، وهو مستوى عام وشعبي وواسع الانتشار، ومستوى القدرة على التغيير، وهو مستوى سياسي وتنظيمي واستراتيجي يتطلب شروطاً موضوعية وذاتية معقدة، والفجوة بين هذين المستويين هي بالضبط ما يُشكل الإشكالية المركزية في الوضع السوري الراهن، وهي فجوة لا يمكن تجاوزها بالتمني أو بالخطابات، فهذا الأمر يتطلب بناء قدرات تنظيمية واستراتيجية تستند إلى فهم دقيق لطبيعة الأزمة السورية وتحدياتها.

بهذا المعنى فإن الأزمة السورية ليست أزمة سياسية بالمعنى الضيق، أي أزمة في توزيع السلطة أو في آليات الحكم، فالأزمة هي بنيوية شاملة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الإقليمية بطريقة تجعل معالجة أي بعد منها منفرداً أمراً مستحيلاً تقريباً، فالواقع الاقتصادي المُتردي لا يمكن فصله عن التفكك الاجتماعي، ولا يمكن فصل التفكك الاجتماعي عن الانهيار المؤسسي، ولا يمكن فصل الانهيار المؤسسي عن التدخلات الإقليمية والدولية التي حولت سوريا إلى ساحة للصراعات الإقليمية.

وبهذا فإن هذه الأزمة البنيوية الشاملة تتطلب مقاربة متكاملة، لا مقاربة جزئية تتعامل مع الأعراض دون الأسباب، ليكون الحديث عن أي إصلاح سياسي دون إصلاح اقتصادي، أو عن إصلاح اقتصادي دون إصلاح اجتماعي، أو عن أي إصلاح دون إعادة بناء الدولة المؤسسية، هو حديث يفتقر إلى الجدية العملية، وإن كان يكتسب شرعية خطابية.

اتساقا مع ما سبق يمكن القول إن المشروع الوطني الجامع لا يعني بالضرورة التوافق على كل التفاصيل، فالتفاصيل تتغير وتتطور، الأمر الذي يعني التوافق على الإطار العام للدولة المدنية الديمقراطية وعلى آليات حل الخلافات سلمياً.

 لكن هذا الإطار العام يفتقر إلى التوافق حوله، حيث لا تزال هناك قوى ترفض الدولة المدنية وتطالب بدولة دينية، وقوى ترفض الديمقراطية وتطالب بنظام أمني قوي، وقوى ترفض اللامركزية وتطالب بمركزية قوية.

هذا التباين في الرؤى ليس مجرد تباين فكري، بقدر ما هو تباين مصلحي وسلطوي، حيث ترتبط كل رؤية بموقع قوة معين وبحسابات مصلحية ضيقة، نتيجة لذلك فإن غياب التوافق على الإطار العام للدولة وضمناً غياب المشروع الوطني يعني غياب الشرعية الجماعية للتغيير، وهذا يعني في العمق بأن التغيير إذا حدث سيظل عرضة للانقلاب أو للتراجع، لأنه لم يستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة ومتفق عليها.

في ذات السياق ثمة ظاهرة ملحوظة في المشهد السوري، وهي الاستمرار في تشخيص الواقع دون الانتقال إلى مرحلة العلاج. المؤتمرات والندوات واللقاءات السياسية تتكاثر، لكنها تبقى في إطار التشخيص والوصف، ونادراً ما تنتج برامج عمل ملموسة أو خطط تنفيذية.

هذه الظاهرة في عناوينها هي انعكاس لغياب البنية التنظيمية القادرة على تحويل التشخيص إلى علاج، فالعلاج يتطلب قوى سياسية منظمة، ويتطلب مؤسسات قادرة على التعبئة والتنظيم، ويتطلب قيادات تتمتع بالشرعية والقدرة على التنفيذ، إلا أن غياب هذه الشروط يعني أن التشخيص سيظل في دائرة مغلقة، يعيد إنتاج نفسه دون أن يتم إنتاج الحلول.

ضمن هذا التوصيف يبدو واضحاً أن الفعل السياسي الوطني يتطلب تجاوز حالة المؤتمرات والندوات إلى حالة العمل السياسي والتنظيمي المستمر، وهذا يعني بناء مؤسسات سياسية واجتماعية قادرة على التعبئة والتنظيم والضغط، لكن بناء هذه المؤسسات يواجه عوائق بنيوية عميقة، منها غياب الرؤية الوطنية الجامعة، وغياب الثقة بين السوريين أنفسهم، وصولاً إلى غياب المسار الوطني الواضح الذي يؤسس لمرحلة جديدة.

هذه العوائق لا يمكن تجاوزها بالخطابات الوطنية، خاصة أن طبيعة المرحلة السورية بعناوينها الحالية تتطلب عملاً تنظيمياً دقيقاً يعيد بناء الثقة تدريجياً، ويعيد إنتاج الفضاء العام السوري، ويخلق أشكالاً جديدة من التضامن الاجتماعي.

صحيح أن التغيير السياسي الوطني ممكن، لكن الصحيح أيضاً أنه ليس سهلاً ولا سريعاً، وهو يتطلب تضحيات فردية وجماعية، ويتطلب تجاوزاً للأنانية والمصالح الضيقة، ويتطلب بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على احترام التعدد والاختلاف وترسيخ التشاركية بمعانيها كافة.

 كما أن التغيير المطلوب لا يقتصر على تغيير في الأشخاص أو في الأنظمة، فالتغيير لابد أن يكون في العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتغيير في الثقافة السياسية الجماعية، لذلك فإن بناء هذه الثقافة يتطلب تعزيز التفكير النقدي، وتأسيس فضاءات عامة آمنة للحوار وقبول الآخر، وربط الممارسة السياسية بقيم المواطنة الفاعلة، وسيادة القانون، وترسيخ المؤسسات التي تحمي التعددية وتضمن المشاركة الواعية والمسؤولة.

صفوة ما سبق أن فعل التغيير السياسي الوطني هو ضرورة حتمية للحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها، والسؤال ليس إذا كان التغيير سيحدث، بل متى وكيف، وهل سيكون السوريون مستعدون له عندما تتوفر شروطه.

 نتيجة لذلك فإن الاستعداد للتغيير يعني بناء القدرات التنظيمية والسياسية، ويعني بالتوازي العمل على إعادة بناء الثقة الاجتماعية، فالتغيير الذي يأتي دون استعداد يكون عرضة للانحراف أو للفشل، والتغيير الذي يأتي دون قدرات يكون عرضة للاستيلاء عليه من قبل قوى لا تؤمن بالتغيير الجذري.

ختاماً، فإن التحضير للتغيير هو بذاته جزء من فعل التغيير، وهو الضمانة الوحيدة لأن يكون التغيير تغييراً وطنياً حقيقياً، لا تغييراً شكلياً يعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *