واشنطن – تتزايد المخاوف في أوكرانيا من تحول في السياسة الأميركية تجاه روسيا، بعد قرار الرئيس دونالد ترامب تعليق تطبيق عقوبات جديدة على موسكو، وتصاعد الخلاف مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن الضربات على منشآت النفط الروسية، وسط تساؤلات عن مستقبل الدعم العسكري والاستخباراتي الأميركي لكييف.
ووقّع ترامب الجمعة أمرا تنفيذيا يتيح تعليق تطبيق عقوبات مرتبطة بقانون أقره الكونغرس لمعاقبة روسيا وإيران. وبررت الإدارة الأميركية الخطوة باعتبارات تتعلق بالمصلحة الوطنية، في قرار أثار اعتراضات من مشرعين أميركيين وحلفاء أوروبيين.
ويأتي القرار في وقت تتباين فيه مواقف واشنطن وكييف بشأن استهداف منشآت الطاقة الروسية.
وأفادت “أكسيوس” بأن الخلاف بشأن الضربات الأوكرانية على مصافي النفط ساهم في توتر العلاقة بين الرئيسين، بالتزامن مع ترتيبات أميركية تسمح بإتاحة الديزل الروسي في الأسواق العالمية.
وتخشى كييف أن يؤدي تخفيف القيود الاقتصادية إلى تعزيز الموارد التي تستخدمها موسكو في مواصلة الحرب.
وانتقد زيلينسكي القرار الأميركي، ودعا حلفاء بلاده إلى مواصلة الضغط على روسيا.
ولا تقتصر المخاوف الأوكرانية على العقوبات.
فقد حذر زيلينسكي، في مقابلة مع إذاعة “إن بي آر” الأميركية، من احتمال وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية إذا لم تتوقف الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية.
لكن الرئيس الأميركي قال إن واشنطن تواصل مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع كييف، ما يترك حجم أي تغيير فعلي في هذا التعاون موضع تساؤل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية عسكرية مباشرة، إذ تعتمد القوات الأوكرانية على المعلومات الأميركية في رصد التحركات الروسية وتحديد الأهداف.
كما أثارت اضطرابات الاتصالات الفضائية ومخاوف بشأن الوصول إلى منظومات “ستارلينك” العسكرية تساؤلات عن قدرة أوكرانيا على تعويض التقنيات الأميركية في المدى القصير.
وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد روسي ضد البنية التحتية الأوكرانية. وقال زيلينسكي في 17 أكتوبر/تشرين الأول إن هجمات روسية استهدفت أكثر من 15 موقعا في قطاع الطاقة.
وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية إطلاق أربعة صواريخ جوالة و332 مسيّرة خلال الليل، مؤكدة إسقاط الصواريخ الأربعة و289 مسيّرة أو تعطيلها.
وتزيد الهجمات الضغوط على كييف مع اقتراب الشتاء، في وقت تثير فيه احتمالات تراجع الدعم الأميركي مخاوف بشأن قدرة البلاد على حماية منشآتها الحيوية ومواصلة عملياتها العسكرية.
أوروبا أمام اختبار التمويل والتسليح
في مواجهة هذه المخاطر، تسعى أوكرانيا إلى تعزيز الدور الأوروبي. لكن قدرة الاتحاد الأوروبي على تعويض أي تراجع أميركي تظل محدودة في بعض المجالات، ولا سيما الاستخبارات والدفاع الجوي والاتصالات العسكرية.
وأفادت صحيفة “لوموند” السبت بأن كييف طلبت تغطية عجز متوقع بنحو 70 مليار يورو في ميزانية عام 2027، في حين سبق للاتحاد الأوروبي أن التزم بتقديم 45 مليار يورو لدعم الدولة والدفاع الأوكرانيين.
وأكد القادة الأوروبيون استمرار دعم كييف، لكن توفير التمويل لا يضمن وحده تعويض القدرات العسكرية الأميركية بالسرعة المطلوبة. كما أن أي تراجع في المساندة الأميركية قد يزيد الأعباء المالية والعسكرية على العواصم الأوروبية.
وفي واشنطن، لا يقتصر الاعتراض على الديمقراطيين. فقد انتقد مشرعون من الحزبين الترتيبات المرتبطة بالديزل الروسي، محذرين من استفادة موسكو اقتصاديا. ويعيد الخلاف فتح النقاش بشأن قدرة الكونغرس على الحد من تحركات الإدارة في ملف العقوبات.
تسوية محتملة أم تحول استراتيجي؟
تعكس التطورات تباينا متزايدا بين واشنطن وكييف بشأن إدارة الحرب، لكنها لا تثبت أن ترامب قرر التخلي عن أوكرانيا أو قبول جميع المطالب الروسية.
ويرى منتقدو الرئيس الأميركي أن تخفيف الضغط الاقتصادي على موسكو، بالتزامن مع ممارسة ضغوط على كييف، قد يضعف موقف أوكرانيا التفاوضي. في المقابل، تقول الإدارة الأميركية إنها تريد إنهاء الحرب، فيما لا تزال قنوات التواصل مع المسؤولين الأوكرانيين مفتوحة.
وتتمثل المسألة الحاسمة في ما إذا كانت واشنطن ستستخدم العقوبات والمساعدات العسكرية والاستخباراتية لدفع زيلينسكي إلى قبول تسوية، وما إذا كانت هذه التسوية ستتضمن ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ وتحفظ سيادة أوكرانيا.
كما تظل المطالب الروسية المتعلقة بالأراضي والأمن عقبة أمام أي اتفاق. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد تحدث عن إنشاء “منطقة أمنية” داخل الأراضي الأوكرانية، في موقف يعكس استمرار الخلاف بشأن شروط إنهاء الحرب.

التعليقات