التخطي إلى المحتوى

تواصل الفنانة التشكيلية بسمة بسباس تجربتها الفنية وفق عمل دؤوب سعيًا نحو طور فني وجمالي جديد، حيث الفن عندها عمل متواصل في البحث عن التجدد والتطوير والإفادة من التجارب المختلفة للمبدعين والفنانين في العالم…

هكذا تعمل الفنانة بسباس وهي تعد لمعرضها الشخصي للفترة القريبة المقبلة برواق فني بالعاصمة، في تواصل مع المتلقي وجمهور الفنون والأروقة.

في هذه الفسحة أخذتنا إلى عوالمها الفنية، ورؤيتها في الإبداع التشكيلي، ودور الفن في الحياة والقيم الإنسانية، وكذلك مشاريعها الفنية القادمة… فسحة حوار وأسئلة أجابت عنها مشيرة إلى بداياتها الأولى مع الرسم والألوان وصولًا إلى أحلامها التي سعت من ورائها إلى التعاطي مع اللوحة، حيث الفن عندها مجال… بل مجالات إبداع وتأمل وتجديد… هنا حوار معها:

ماذا عن البدايات مع الفن والرسم والتلوين؟

نشأت في عائلة ذات وعي جمالي… أمي رحمها الله خياطة وطرازة، حيث خيوط التطريز بتدرجات ألوانها وتخريجاتها الفنية الرائعة، وأبي رحمه الله مغرم باقتناء العقارات ذات الطابع المعماري المتميز، حيث اقتنى مبنى من أملاك الأجانب يعود إلى الحضارة الأندلسية من عند صاحب المبنى السيد باربارا (Mr Barbara) الذي باع المبنى للالتحاق بابنته في فرنسا التي هي فنانة تشكيلية. كنت يومها صحبة أبي وعمري 8 سنوات، ولأول مرة أشاهد لوحات بألوان وأشكال جميلة، حيث توجه نظري نحو لوحة راقصة الفلامنكو المعلقة فوق المدفأة (cheminée). وكان صاحب المبنى كريمًا مع أبي، حيث ترك لي تلك اللوحة وأيضًا مكتب ابنته للرسم، والذي يحتوي على عدة ألوان أكريليك للرسم، ومن هنا بدأت علاقتي بالرسم والتلوين.

كيف تطوّرت رغبتك وشغفك بالتلوين والرسم؟

دائمًا هذا المبنى الذي اقتناه أبي يحتوي على طابقين ويطل على ميناء مدينة صفاقس. من الطابق الثاني في غرفتي شرفة تطل على الميناء التجاري الذي يسحر بمشاهد السفن الكبرى التي تحط لأيام ثم تأتي أخرى تحط أيامًا أو أشهرًا.

ومن شرفتي أشاهد هذه الحركة النشيطة من تفريغ المواد، فانبهرت بألوان مختلفة في الليل وانعكاسها على البحر. ومن طلوع الشمس بدأت أتأمل الأفق والسماء بألوانها في كل الفصول، وكذلك غروب الشمس بتدرج ألوانها وانعكاسها على البحر.

هنا تجدني أبحث عن صناديق التمر والتفاح من الخشب وأقوم باستعمال الألوان المهداة لي فوقها، وإنجاز كل المشاهد الرائعة التي أراها من شرفة بيتي (Balcon).

كيف كان تشجيعك في هذه الهواية؟

كنت أقدم رسوماتي لأبي فيشجعني، وكل مرة يشتري مني لوحات للرسم، ودفعني أكثر للتأمل أيضًا في الطبيعة في الصيف والعطل ووقت السفر وزيارات عدة مدن. وكان يتوقف أحيانًا بالسيارة قائلًا لي: “انظري هذا المشهد، ذات يوم سترسمينه، انظري إلى تدرج ألوان أوراق الشجر وانعكاس الشمس عليها…”.

بماذا تأثرتِ في هذا المجال الفني وبمن؟

تأثرت بزخرفة المباني الأثرية، ومسرح الجم، وبجامع عقبة بن نافع، وبالأبواب القديمة، وبالمدينة العتيقة، وبسور مدينة صفاقس… وتأثرت بكل اللوحات المرسومة ذات الألوان والإضاءة.

وفي عالم الرسم تأثرت بـ جورج براك (Georges Braque) وبول كلي (Paul Klee). أما في مسيرتي الفنية وبدايتها فتأثرت بأستاذي الفنان التشكيلي طارق الفخفاخ الذي علمني أصول الرسم وتقنيات الرسم المائي والزيتي.

معنى أن تكوني رسامة؟

أن أكون رسامة يعني أن أجد نفسي وذاتي، وأعبر عن كل ما في داخلي بكل وضوح وشفافية، مما يقوي من شخصيتي التي أتميز بها وأطورها من خلال نقل الأفكار، ثم كل ما يدور في داخلي من شعور وأحاسيس وحنين وفرح وحزن وألم وأمل في الحياة… وأفكار وخواطر بطرق إبداعية أستخدمها في لوحاتي بما يمنحني طابعًا يشبهني ويعبر عن هويتي.

وهذا غيّر من شخصيتي التي يراها أهلي وأقاربي وزملائي في العمل والعلاقات اليومية وكل الناس الذين يعرفونني، وجعلني أتميز بروح إنسانية.

شعورك مع عرض اللوحة الأولى؟

عندما عرضت لوحتي لأول مرة كان لي فخر واعتزاز بهذه الفرصة التي أتيحت لي للعرض بعد فترة بحث واختيار بطابع متميز.

وأثمن ملاحظات المتلقي، وأحترم وأقبل كل الآراء؛ لأن لكل شخص الحق في أن يرى بمنظاره، مما يزيدني من العزم والسعي لبذل كل جهودي للتميز والصدق والإبداع.

والفن التونسي وتياراته؟

ضمن تجارب الفن التشكيلي التونسي عمومًا نجد تيارات فنية مختلفة فيها معانٍ ومواضيع عديدة كالحياة اليومية والتراث، وبالألوان المعبرة عن البيئة التونسية. ومن التجارب نذكر أسماء مثل: يحيى التركي، والهادي التركي، وزبير التركي… وإلى الآن تونس تزخر بكثير من الفنانين التشكيليين المبدعين، بين من درسوا بالمعاهد العليا ورسامين تطورت إبداعاتهم منذ عقود، ولكلٍّ طابعه أو نمطه وتغير مساراته، حيث كل الأعمال جميلة وثرية إلى حد الآن… إلا أنني أميل أكثر إلى أعمال الفنان التشكيلي الراحل عادل مقديش طوال مسيرته الثرية.

والفن بالنسبة لبسمة بسباس؟

الفن والإبداع رسالة إنسانية وجمالية مثل: (الموسيقى، المسرح، الرقص، الفن التشكيلي…).

وهنا أتوجه للشباب للتوقف لحظة، وهم في هذا العالم المادي والتكنولوجي والمعرفي السريع، للتأمل بحواسهم للبحث عن شيء يشد اهتمامهم، والتعمق في المعارف والفنون، ودعم الرغبة في المطالعة، ومنها التعرف على تاريخ الفن والفنانين وإنجازاتهم، وكل ما يشد اهتمامهم كثقافة عامة؛ لأن كل التقدم العلمي والاكتشافات متاحة لكل فئات المجتمعات… ثم إن الفن هو غذاء ودواء للروح البشرية.

والفنان كممارسة؟

المطلوب من الفنانين ومن أحباء الفنون الجميلة المحافظة على هذا الموروث وتوثيقه، وعرض إبداعاتهم، ومشاركة أعمالهم مع فنانين في نفس الفترة الزمنية، ثم مد يد المساعدة والدعم لكل من يسير في طريق الفن لإثراء وتقديم قيمة مضافة عبر الورشات والمعارض؛ لأن الفن يزهر بالوفرة وتعدد الأنماط واختلاف الإبداعات والأجيال.

الفن والإضافة؟

لقد رسمت عدة لوحات عبر سنوات ومراحل، ورغبتي في البحث والإنجاز ما تزال ترافقني إلى الآن في كل لحظة، وكأن الزمن يمر مع مشاغل الحياة… وشغفي بلحظة الفن والرسم يدفعني للتقدم والإبداع.

وكم أتمنى أن يكون لدي متسع من الوقت للإضافة والنجاح في كل عمل فني أنجزه؛ لأن كل إنجاز يدفعني ويلهمني بفكرة أخرى لإنجاز آخر، وهكذا أجد نفسي أحلم بلوحة وأرضى بها بما يدفعني إلى مزيد من البحث والإبداع من جديد، وهكذا.

كونك فنانة… ما وعيك وشعورك بهذا؟

الفن هو حلمي وغرامي، وكوني فنانة أشعر بفخر واعتزاز بهذه الصفة النبيلة. الرسم يعبر عن أحاسيسي وروحي وخواطري وكأنه المرآة التي أرى فيها نفسي، فهو يشبهني في كل أحوالي: الفرح، النجاح، القلق، الأمل، الألم، الحزن، الحنين إلى الماضي، النظر إلى المستقبل، خيبات الأمل… وكوني فنانة تعرفت على كثير من الأشخاص المتميزين… وكأننا اخترنا أنفسنا لنحمل رسالة عظيمة وهي: الفن للجميع.

الفن وراهن العالم الآن؟

العالم يعيش حروبًا وأزمات، ودور الفنان بصدقه وإبداعه مهم في إشعاع النور على الإنسانية عبر ألوان وإضاءة ورسائل هادفة، ثم إن المعارض واللقاءات للفنانين من شتى أنحاء العالم من شأنها أن تقدم الكثير في بث الأمل وإرساء السلام في قلوب الشعوب، بعيدًا عن الأزمات والحروب.

قادم أعمالك ونشاطك الفني؟

مسيرتي الفنية تتواصل، وأنا بصدد المواصلة في البحث عن التجدد والتطوير الإبداعي ضمن هويتي وطابعي، وكأنها أفكار ترافق كل مراحل حياتي التي تشبه قصة أو سردًا للأحداث.

في قادم مشاريعي الفنية بإذن الله سأسعى لتطوير عملي وتجربتي لتقديم أعمال متميزة وهادفة ذات طابع جمالي وإنساني، وتحديث كل ما لدي من أفكار لإنجازات مختلفة ومتنوعة تعكس كياني وهويتي، في رغبة فنية جمالية أعمل على أن تكون ثرية بكل القيم والمبادئ القيمة للفن التشكيلي، للتواصل الفني الإنساني مع أعمال وأهداف الفنانين والمبدعين في العالم…

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *