التخطي إلى المحتوى

تحمل قصيدة “ما تيسَّر من سورة الموت” للشاعر الفلسطيني سميح القاسم (1939 – 2014)، والتي رثا فيها الزعيم جمال عبد الناصر بعد وفاته المفاجئة عام 1970، أبعادًا قومية وفلسفية عميقة. لا تقف عند حدود البكاء التقليدي، بل تحول الفاجعة إلى رمز للمقاومة والبعث.

يقتبس العنوان صيغة القراءة القرآنية المشهورة (ما تيسر من سورة…)، ليضفي على النص هالة من القدسية والرهبة. واختيار كلمة “الموت” بدلاً من اسم سورة قرآنية يعكس حجم الصدمة والوجوم الذي خيّم على الأمة العربية برحيل عبد الناصر. الموت هنا ليس مجرد غياب بيولوجي، بل هو حدث كوني زلزل الوجدان العربي.

يصور القاسم لحظة تلقي النبأ كزلزال ضرب الوعي الجمعي. فجمال عبدالناصر لم يكن مجرد رئيس، بل كان رمزًا للمشروع القومي التحرري، وبموته شعر الشاعر بفراغ مرعب يهدد الهوية العربية.

ونلاحظ أن القصيدة تمتلئ بالرموز الدينية المستوحاة من القرآن الكريم والتراث المسيحي واليهودي لإعطاء التجربة بُعدًا إنسانيًّا شاملاً، حيث يستحضر الشاعر ثنائية “الموت والبعث”؛ ويربط بين رحيل عبدالناصر والتضحية والفداء (رموز الصلب، النبي موسى، وعصاه) كمؤشر على أن الفكرة لا تموت بموت صاحبها.

يرفض الشاعر الاستسلام لليأس، وينتقل في نهاية القصيدة من تفجع الوعي الفردي إلى وعي المقاومة الجماعي، مؤكدًا أن الاستعمار والصهيونية لن ينالا من إرادة الشعوب، وأن غياب القائد يجب أن يكون وقودًا لاستمرار الثورة.

تجمع لغة القصيدة بين الجزالة التراثية والرمزية الحديثة. وتبرز مفردات الموت، والفداء، والصليب، والبعث، والشهادة. ويتفكك النص عبر المفارقة الصادمة في المقطع الأول: (دمرتَني يا موت / جددتَني يا موت). الموت هنا ليس هدَّامًا فقط، بل هو “بنية تجديدية” يعيد صياغة الذات الشاعرة.

وتكرار جملة (أبكيك يا جمال) مرات كثيرة يعمل كترجيع إيقاعي ومعماري يربط شتات النص. هذا التكرار يمنع النص الحر من السيولة، ويجعله يرتد دائمًا إلى المركز (جمال).

يبدأ النص ببنية متهالكة متعبة من الرقص والموت (أرهقني الرقص.. وعرس الموت)، وينتهي ببنية مشدودة متمثلة في شرف الموت الاستشهادي (كيف تحمي شرف الرجال / مصارع الرجال).

تنتمي القصيدة إلى تفعيلات بحر الرجز (مستفعلن ومشتقاتها) وهو ما منح الشاعر حرية في التدفق العاطفي والانتقال بين نبرات الحزن الهادئ والغضب الثوري المتصاعد. ويعتمد القاسم على الصور المركبة والمشهدية السينائية (مستوحاة من جبل سيناء والتيه)، محولاً الحزن الوجداني إلى لوحات بصرية تعبر عن الضياع ثم الاستفاقة.

وتكمن عبقرية القصيدة في كونها كُتبت بقلم شاعر فلسطيني يعيش تحت وطأة الاحتلال (داخل الخط الأخضر) يرثي رئيسًا مصريًّا. هذا التلاحم يثبت تلاحم القضية الفلسطينية مع العمق العربي؛ حيث رأى القاسم في عبدالناصر الملاذ والسند لثورة شعب فلسطين، وجاءت هذه القصيدة لتؤكد وفاء المقاومة لرموزها القومية.

تتخذ القصيدة شكلاً هندسيًّا “دائريًّا” أو “حلزونيًّا”. فتبدأ من نقطة الصدمة المركزية (الحدث: الموت)، ثم تتشعب في مقاطع تبدو متناثرة لكنها ترتبط بخيط ناظم (تيمة الفقد)، لتنتهي بالعودة إلى نقطة انطلاق جديدة (البعث / الثورة).

ونلاحظ أن النص يتأسَّس على صراع حاد بين أقطاب متضادة تشحن النص بالتوتر: (الموت / الحياة)، (الغياب والتراب / الحضور والخلود)، (الانكسار والتيه / النهوض والمقاومة).

يعتمد القاسم على تكرار تراكيب معينة (مثل: “يموتون.. ولا يموت”)، هذا التوازي يخلق معمارًا صوتيًّا متماسكًا يشد أجزاء القصيدة ببعضها البعض.

ويلاحظ أنه يهيمن على القصيدة حقلان أساسيان: حقل الفاجعة والموت: (كفن، تراب، وجوم، غياب، صمت). وحقل القداسة والثورة: (سورة، آيات، القيامة، الدم، الراية). كما يلاحظ شيوع الأصوات المهموسة والرخوة (السين، الحاء، الخاء) في المقاطع الأولى لتعبر عن حشرجة الحزن والصدمة والهمس من هول المفاجأة، وتتحول تدريجيًّا في الخاتمة إلى أصوات انفجارية وجهرية (القاف، الطاء، الدال) معلنةً حالة التحدي.

يتأرجح النص بين الجمل الاسمية التي تفيد الثبوت والوجوم الصادم (نحن حزنٌ.. الموت حقٌ)، وبين الجمل الفعلية الحركية التي تستخدم الأفعال المضارعة للدلالة على استمرارية الأثر وحيوية الفكرة (يأتي، ينهض، يورق).

يتبنى الشاعر رؤية فلسفية ترى أن “الموت البيولوجي” ليس نهاية الكينونة الإنسانية إذا كانت محملة بمشروع تاريخي. ويتحول “عبد الناصر” من كائن “في ذاته” (محدود بالزمن والجسد) إلى كائن “لأجل غيره” (ممتد في وعي الجماعة). كما يطرح النص رؤية فلسفية تحول عبد الناصر من كائن “مشخصن” إلى “فكرة سارية” في المادة. هو موجود في (المصانع التي لم تفتتح بعد)، وفي (الصحارى)، وفي (لهجة العراق والسودان). فلسفيًّا، ناصر هنا لا يموت لأنه استحال إلى “ماهية”، والماهية لا تفنى بفناء الجسد.

ينظر القاسم إلى التاريخ ليس كخط مستقيم ينتهي بموت البطل، بل كحركة دائرية تصاعدية. ونلاحظ أن الموت هنا هو “ضرورة مأساوية” للولادة الجديدة (التمخض). وفي لحظة الصدمة يواجه النص العبث والعدمية (تيه الأمة بعد غياب القائد)، لكنه سرعان ما يتجاوز هذه الرؤية العدمية عبر الالتزام بالقضية، مكرسًا مفهومًا سارتريًّا (وجوديًّا) بأن الإنسان هو ما يصنعه بنفسه بعد الفاجعة.

إن الشاعر والأمة العربية يعيشون صدمة نفسية حادة، وللتغلب على طاقة الحزن الهدامة وغريزة الموت، يقوم اللاشعور الفني بتحويل هذا الإحباط والوجع إلى طاقة إبداعية وثورية.

يعكس النص تدرجًا سيكولوجيًّا واضحًا؛ بدايةً من الإنكار والذهول (الصدمة من قراءة سورة الموت)، مرورًا بـالاكتئاب والوجوم، وصولاً إلى التقبل الإيجابي الذي يثمر دافعية جديدة للمقاومة.

يستدعي القاسم صورة “الملك المغدور” أو “الإله الذي يموت ويقوم” مثل أسطورة “تموز وأدونيس” المستقرة في اللاوعي الجمعي للشرق، أو العنقاء، ليُلبسها لجمال عبد الناصر، مما يسهل على الوجدان العربي استيعاب الخسارة وتحويلها إلى أمل.

ومن وجهة نظر نظام العلامات (الدوال والمؤشرات) نرى أن العنوان (ما تيسر من سورة الموت) هو دال سيميائي يكسر أفق التوقع. ويمزج بين “المقدس” (سورة) والموت، ليشكل علامة سيميائية تشير إلى أن الحدث جلل ويوازي في خطورته الأحداث الكونية الكبرى.

الجسد في القصيدة يتحوّل من مادة فانية إلى “خارطة” أو “أرض”. والدم لا يعود سائلاً بيولوجيًّا يسيل، بل يصبح “حبرًا” يكتب التاريخ، أو “ماءً” يروي شجرة الثورة. وهنا يتحول جسد عبد الناصر إلى علامة سيميائية شاسعة تمتد (من المحيط إلى الخليج). يده علامة على الخصوبة (فرشت رمالها يداك سنابلاً وورد)، وكفه علامة على النبوة والمباركة (كفك النبية الملوَّحة). فضلا عن وجود شبكة سيميائية من الرموز الثقافية والدينية؛ منها: (الصليب والهلال). (قلانس الأحبار وعمائم الأئمة). (كوفية الفلاح وخوذة العامل). هذه ثنائيات سيميائية دالة على “الكلية والاتحاد”؛ عبد الناصر هو النقطة التي تلتقي عندها كل الإشارات المتناقضة في الأمة لتذوب الفوارق.

الزمن في القصيدة ليس تتابعًا فيزيائيًّا تصاعديًّا (ساعات وأيام)، بل هو زمن نفسي وتاريخي، ويستحضر الشاعر الماضي ليس كذكرى، بل كقاعدة صلبة أثثها القائد الراحل. أما الحاضر فهو زمن الفاجعة، لحظة “ثبات” وشلل مؤقت (لحظة سماع النبأ). والمستقبل هو الزمن الحقيقي الذي تتوجه إليه القصيدة، زمن البعث والاستمرار. كما أن هناك الزمن الأسطوري/السرمدي حيث ينتزع الشاعر الحادثة من زمنها الضيق (28 سبتمبر/أيلول 1970) ليدمجها في “الزمن المطلق”؛ زمن الصراع المستمر بين الحق والباطل، والحرية والاستعمار، فيبدو عبد الناصر كأنه كان حيًّا منذ الأزل، وسيبقى إلى الأبد.

كما يستحضر النص تواريخ محددة: (الثالث والعشرين من يوليو/تموز)، (الأول من مايو/أيار)، (الخامس من مايو/أيار). هذه التواريخ تتحول من مجرد “أيام في التقويم” إلى “أزمنة مقدسة” محفورة في الشرايين (التواريخ التي حزت شراييني). يتحول الزمن التاريخي هنا إلى زمن نفسيّ مؤلم يبعث الضوء والموسيقى والجلنار.

المتلقي العربي عام 1970 كان يتوقع قصيدة رثاء تقليدية مليئة بالندب والبكائيات واستجداء الدموع. لكن القاسم صدم أفق توقعه بتحويل المرثية إلى “سورة” كونية طقسية، وإلى بيان سياسي وثوري، مما أحدث هزة وعي لدى القارئ. وعندما ينتقل الشاعر إلى تصوير ممارسات الاحتلال في الداخل الفلسطيني (فظاظة الشرطي إذ يكتشف الهوية / في السجن في المنفى / يمزقون صورة المدعو عبد الناصر)، فإنه يخلق مساحة من التلقي الحار.

ويترك الشاعر فجوات في النص (عبر الرموز والتناص المكثف)، يملأها المتلقي بخلفيته السياسية والقومية وعاطفته الجياشة تجاه عبد الناصر، مما يجعل القارئ شريكًا في إنتاج دلالة الموت والولادة.

ويكشف النص عن رسوخ “ثقافة البطل المخلّص” أو “الزعيم الكاريزمي” في الوجدان الثقافي العربي. ويعكس كيف يربط العقل الجمعي العربي مصير أمة كاملة بوجود فرد واحد، وهو نسق نسوي وسلطوي قديم يعاد إنتاجه شعريًّا.

وتعمل القصيدة كـ “خطاب موازٍ” يتحدى الخطاب الثقافي الغربي والصهيوني الذي فرح برحيل عبدالناصر واعتبره نهاية للمشروع القومي. النقد الثقافي هنا يبرز كيف استعمل القاسم “لغة المستعمِر الثقافية الرافضة” ليصنع درعًا أيديولوجيًّا يحمي الهوية العربية من الانهيار بعد الهزائم (خاصة بعد نكسة 1967 وتداعياتها).

ويتضح من خلال النقد الثقافي أن النص ينحاز للأيديولوجيا (المشروع القومي التحرري) على حساب التجريب الجمالي الخالص، فالشعر هنا أداة نضالية ومعرفية لحشد الجماهير وتثبيت الهوية.

قصيدة “ما تيسر من سورة الموت” للشاعر سميح القاسم:

1- تهليلة الأعياد

أرهقني الرقصُ .. وعرس الموت   

يمتد أعوامًا على أعوام   

خوفي، يمر الوقت   

ولم أعانق سيدي   

الآتي من الأحلام   

دمرتَني يا موت   

جددتَني يا موت   

أرهقتَني، أرهقتَني يا موت   

فما الذي تأمرني يا أجمل الجياد   

وأجود الجياد   

أنا الذي رددتُ دينك القديم كله رددت   

أنا الذي مملكتي أغلقت الدموع   

أبوابها.. وفتحت أبوابها الدموع   

مملكتي استراح موسى في حمى أسوارها   

وزودت محمداً بالماء   

وقاسمت رغيفها، يسوع   

فما الذي تأمرني، يا أجمل الجياد   

يا موت يا ابن الشمس والأعياد؟   

2- مصارع الرجال

وجهي إلى كل جهات الأرض   

مجللا بالنار   

وجهي إلى الأعالي   

وجهي إلى الأغوار   

وفي جراحي تكبر الأزهار   

وصية الميلاد ملء جبهتي   

ملء فمي ورئتي   

والعفو، إن سال دمي .. سال على الأوتار   

أبكيك لكن واقفاً   

أبكي لعل نخلة البكاء!   

أبكي من المحيط للخليج   

أبكيك يا جمال   

أبكيك في مصانع لم تفتتحها بعد   

أبكيك في معاهد لم تفتتحها بعد   

وفي صحارى فرشت رمالها يداك   

سنابلاً وورد   

أبكيك في الكلية الحربية   

أبكيك في القنال   

أبكيك في الثالث والعشرين من يوليو   

وفي الأول من أيار والخامس من أيار   

وفي التواريخ التي حزت شراييني   

وفي كل التواريخ التي تغمرني   

ضوءاً وموسيقى وجلنار   

أبكيك في المنازل الشعبية   

في السد في الغيطان في المدارس الريفيه   

في العلماء السمر في الطلاب في العمال   

في الكتب في الساحات في الأطفال   

أبكيك في الغلال، في الحدائق   

أبكيك في الخنادق   

أبكيك في الفئوس والمطارق   

في خوذة العامل والجندي   

في كوفية الفلاح والعقال   

أبكيك في قلانس الأحبار .. في عمائم الأئمه   

أبكيك في الصليب .. في الهلال   

أبكيك يا جمال   

في دفتر النوَّتات، في العازف، في الناي، وفي الموال   

أبكيك يا مدرب القراءه   

أبكيك يا مدرس النضال   

أبكيك يا جمال   

في لهجة العراق   

في لهجة السودان   

أبكيك في الأردن، في ليبيا، وفي لبنان   

أبكي مع الوحدة   

ابكي الانفصال   

أبكيك في كل لغات الأرض   

في مؤتمرات السلم، عملاقًا   

وفي مكائد القتال!   

أبكيك يا جمال   

في طفلة ناجية من مذبحة

دموعها تبلل الجريدة  

وكفها ممدودة 

لكفك النبية الملوّحة   

من صورة في أحد المواقف المجيدة

أبكيك يا جمال   

في شهقة ابن التسع والسبعين   

وهو يصيح من جحيم أمسه المفقود   

ومن نعيم غده الموعود:   

“يتمتَني يا ولدي”

“يتمتَني يا بوي”

أبكيك في فظاظة الشرطي إذ يكتشف الهوية

في السجن في المنفى وفي الإقامة الجبرية   

أبكيك إذ يغبنني في منزلي الضيوف   

ويخطفون من يدي صغيرتي   

بقية الرغيف   

ويشتمون والدي وأمتي .. والروس   

وإذ يمزقون بالكلام والأظافر   

ملامحي في الصحف اليومية  

صورة المدعو عبد الناصر!   

أبكيك يا جمال   

فيما تبقى من تراب وطني   

ومن دماء عزوتي   

ومن بيوت بلدي   

وهي تصيح من قرار جرحها وعارها:   

“ولو! لمن تتركني يا سندي”

جمال يا جمال   

أبكيك.. لكن واقفًا   

وصامدًا .. وزاحفًا   

أبكي من المحيط للخليج   

أبكيك.. لكني تعلمت .. إلى الأبناء والأحفاد   

كيف يكون الصبر والجهاد   

وكيف تحمي شرف الرجال   

مصارع الرجال”

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *