التخطي إلى المحتوى

والمعضلة بالنسبة إلى الزيدي في أن استكمال الحكومة يتيح له نظرياً الانتقال إلى تنفيذ برنامجه، لكنه جاء عبر تفاهمات مع القوى نفسها التي يحتاج إلى دعمها لتمرير القرارات ومواجهة الملفات الخلافية. وهذا يطرح تساؤلاً بشأن هامش استقلاله في اختيار المسؤولين ومحاسبتهم، ومدى قدرته على رفض مطالب الكتل عندما تتعارض مع أولويات الإصلاح.

وذكر المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، في بيان أنه “بعد أكثر من خمسة أشهر من التعطيل والصراع على الحصص والمناصب، عادت قوى المحاصصة لتتقاسم السلطة من جديد، واستحوذت لأجل ذلك على مناصب سيادية مستحدثة ووزارات جديدة، وكأن ما ألحقته بالبلاد من خراب وفساد وفقر وتدهور في الخدمات لم يكن كافياً”.

وأضاف أن “التصويت على استكمال التشكيلة الحكومية، في جلسة مجلس النواب المغلقة الخميس، جاء ليؤكد إصرار القوى المتنفذة على مصادرة الدولة لمصالحها، وتحويل مؤسساتها ومناصبها إلى أدوات لتوسيع النفوذ واقتسام المغانم، ضاربةً عرض الحائط بمعاناة ملايين العراقيين وحقوقهم وتطلعاتهم إلى حياة كريمة”.

وأشار إلى أن الخلاص من الأزمات لا يتحقق بإعادة إنتاج النهج الفاشل، بل بإنهاء المحاصصة والفساد، وبناء دولة تحترم مواطنيها وتضمن لهم العدالة والكرامة والحياة اللائقة.

ولم يقتصر الجدل على المحاصصة السياسية، بل امتد إلى الأعباء المالية المترتبة على استحداث الوزارات وتوسيع المناصب العليا. فقد انتقد رجل الدين والقيادي في المجلس الإسلامي الأعلى العراقي صدر الدين القبانجي إنشاء ثلاث وزارات جديدة واستحداث مناصب لنواب رئيس الوزراء، معتبراً أنه لا توجد مبررات حقيقية كافية لهذه الخطوة في ظل الأزمة المالية التي تواجه البلاد.

وأشار القبانجي، خلال خطبة الجمعة في النجف، إلى أن المرجعية الدينية دعت مراراً إلى منع هدر المال العام، محذراً من أن التوسع في الهيكل الحكومي سيضيف أعباءً على الدولة.

وأظهرت بيانات مالية أن الإنفاق الحكومي تجاوز الإيرادات خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، فيما تواجه البلاد تحديات مرتبطة بالاعتماد الكبير على النفط، واضطراب صادرات الطاقة، وتزايد الالتزامات المالية.

ولا يتعلق الاعتراض بكلفة رواتب الوزراء ونواب رئيس الوزراء وحدها، بل بما قد تستلزمه المناصب الجديدة من مكاتب ومستشارين وموظفين وحمايات ومخصصات تشغيلية. كما يطرح التوسع الحكومي سؤالاً بشأن جدوى إنشاء مؤسسات جديدة بدلاً من إصلاح المؤسسات القائمة ورفع كفاءتها.

وتواجه الحكومة اختباراً يتعلق بالفجوة بين خطاب مكافحة الفساد والممارسات التي رافقت تشكيلها. فالزيدي وصل إلى رئاسة الوزراء وسط توقعات بأن يقدم أسلوباً مختلفاً في إدارة الدولة، مستفيداً من صورته بوصفه رجل أعمال بعيداً عن الوجوه السياسية التقليدية.

لكنه تولى المنصب مرشحاً من الإطار التنسيقي، ويحتاج إلى تفاهمات القوى البرلمانية لضمان استمرار حكومته وتمرير تشريعاتها.

وتكشف طريقة استكمال التشكيلة عن صعوبة الفصل بين طموح رئيس الوزراء في الإصلاح وبين شروط التسوية السياسية التي سمحت بإنهاء الفراغ في عدد من الحقائب.

وقد يفسر جزء من الجمهور التوسع في المناصب باعتباره استمراراً للنهج السابق، خصوصاً إذا لم يقترن بتوضيحات بشأن الحاجة إلى هذه المناصب وكلفتها ومعايير اختيار شاغليها.

ووسط هذه الضجة يواجه الزيدي اختبارا صعبا يتعلق بمدى استقلالية قراراته عن مطالب القوى التي شاركت في تشكيل الحكومة، وقدرته على الحد من الهدر المالي في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية، واستعداده لفتح ملفات الفساد ومحاسبة المسؤولين من دون انتقائية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *