حملت كلمات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بشأن الموقف الإسرائيلي من سيناء يوم الأربعاء الماضي (14 أكتوبر) رسائل قوية حول ما ردده وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بشأن إمكانية احتلال سيناء سريعا، إذا شنت مصر حربا على بلاده. مفاد كلمات السيسي: التمسك بالسلام والحرص على الردع العسكري معا.
تنطوي المناسبة والمكان والزمان على أهمية للمضامين التي حواها حديث السيسي، وأراد توصيلها إلى من يهمهم الأمر، في كل من: الشعب المصري، إسرائيل، والعالم. المناسبة هي: الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في نسختها الرابعة والأربعين، وتزامنت مع ذكرى احتفالات نصر أكتوبر عام 1973. المكان هو: إحدى القاعات التابعة للجيش المصري في القاهرة، بحضور عدد كبير من كبار القادة العسكريين والمسؤولين المدنيين. أما الزمان فهو: بعد أيام قليلة من تصريحات أطلقها سموتريتس ردا على سؤال إذا شنت مصر حربا على إسرائيل، وكان رده سيتم احتلال سيناء.
لم يشأ الرئيس المصري الرد مباشرة على الوزير الإسرائيلي، وتعمد تجاهل ذكر اسمه، وقفز مباشرة إلى ما يريد توضيحه من معاني، عقب تكرار التسريبات الإعلامية المتعلقة بالتحذير من مغبة الاستعدادات العسكرية التي تقوم بها مصر في منطقة سيناء، والتي طغت عليها مخاوف متعددة من وجود حشود ومعدات ومناورات قام بها الجيش المصري خلال الفترة الماضية، وبدت كأنها موجهة ضد إسرائيل مباشرة، وتحمل خرقا لاتفاقية السلام الموقعة بين البلدين منذ حوالي 47 عاما.
أكد الرئيس السيسي على أهمية الجاهزية العسكرية للجيش المصري في منطقة قلقة ومضطربة وتموج بصراعات مختلفة، لأن الحفاظ على الأمن القومي يستوجب الاستعداد للتعامل مع كل الاحتمالات القاتمة، بغض النظر عن مصدرها.
وهذا لا يتعارض مع التزامات القاهرة بالسلام أو يخل بالحسابات الإقليمية، التي تحتاج إلى قوة ردعية تمنع من تسول له نفسه التفكير في الاعتداء على مصر.
مع أن الرئيس المصري شرح رؤيته بهدوء، إلا أن كلماته تسببت في ارتباك داخل شريحة في إسرائيل. كأن السيسي انتهز هذه المناسبة لوضع النقاط على الحروف، ومحاولة كف بعض المسؤولين في إسرائيل عن مواصلة المزايدات السياسية والمناورات الانتخابية وعدم التعامل مع مصر كهدف يسهل استفزازه إعلاميا واختبار نواياه الخشنة.
وجدت تصريحاته صدى واسعا، وانقساما بين من فهموها سياسيا على أنها رسالة سلام جديدة، وبين من رأوا فيها جوانب عسكرية تصعيدية، وأن الردع الذي بدا واضحا في كلام السيسي لا يخلو من تحذيرات مبطنة حول ضرورة وقف الألاعيب الداخلية في إسرائيل.
أدت اعتداءات إسرائيل على كل من قطاع غزة والضفة الغربية، ولبنان وسوريا وإيران واليمن، إلى وضع مصر في بؤرة الضوء، باعتبارها قوة عسكرية رئيسية في منطقة تمثل عقبة كأداء أمام طموحات اليمين في إسرائيل، الذي لا ينشغل بعض من قادته كثيرا باتفاقية السلام مع مصر. كل ما يهمهم التركيز على التوسع في الأراضي العربية، ومنع اتاحة الفرصة لأي قوة إقليمية للتصدي لرغبتهم في التغول والسيطرة والهيمنة على مزيد من الأماكن.
أشارت بعض وسائل الإعلام إلى خطورة الجاهزية العسكرية لمصر أكثر من مرة، وجرى تجاهل ثوابت اتفاقية السلام معها أحيانا، بزعم أن حشودها في سيناء أصبحت مزعجة أكثر من اللازم لأمن إسرائيل، ولا بد أن تقف خلفها أهداف غير بريئة.
تقرأ القاهرة ما يجري في المنطقة من صراعات على أنه خطر داهم، يفرض عليها الجاهزية العسكرية العالية في ظل منظومة سياسية شبه منفلتة في إسرائيل، وأخرى أمنية تنصاع إلى الشعبوية التي يتبناها سموتريتش ورفاقه في اليمين المتطرف، ويجد كلاهما إعلاما منساقا لهما، لا يتردد عن توجيه الاتهامات والانتقادات إلى مصر، التي قابلت ذلك كثيرا بقدر من التريث والصمت والردود المنضبطة.
تعلم القاهرة أن جزءا كبيرا من هذا التوجه له أسباب دعائية، لكنه يحمل دوافع سياسية أيضا عندما يخرج إلى العلن بكثافة متضمنا تصريحات وتلميحات وإشارات مقصودة إلى مصر، ويتم تكرارها في كل تحرك يقوم به جيشها في سيناء، ردا على توسعات جيش الاحتلال في قطاع غزة وخرقه لضوابط العسكرية على الحدود، وتحسبا لأي مفاجآت عسكرية في منطقة ملتهبة، لا يوجد فيها دولة يمكن أن تكون مستثناة بسبب انتشار الضربات وتداخل الحسابات الأمنية فيها، الأمر الذي تعاطت معه القاهرة بحكمة من خلال اتباع ما أسماه الرئيس السيسي بمنهج “الاتزان الإستراتيجي”.
وفّر هذا المنهج مزايا نوعية لمصر، ومنحها مساحة كبيرة للحركة، شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، من أجل الحصول على أعلى درجات التكنولوجيا المستخدمة في الأغراض العسكرية.
ظهرت هذه السياسة في تصورات الرئيس السيسي منذ بداية تسلمه السلطة، لمنع تكرار أخطاء أسلافه ممن راهنوا على قوة كبرى واحدة في الشرق أو الغرب، وكان من نتائجها رهن التسلح المصري بجهة واحدة (الاتحاد السوفييتي السابق أو الولايات المتحدة).
بات التمسك بهذا الطريق أكثر قلقا لإسرائيل مع نجاح القاهرة في توظيفه جيدا في إحداث توازن نسبي في العلاقة بين كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتحقيق مكاسب منه، والتعامل مع الأزمات الإقليمية بقدر من الرشادة.
استفادت مصر من سياسة التوازن في تنويع مصادرها العسكرية. كما استفادت من الرشادة في عدم التورط في أي من الصراعات المحيطة بها من كل جانب، وكان الإخلال بهما أو أحدهما كفيلا بأن يوفر لإسرائيل ارتياحا على المستوى الإستراتيجي.
يكفل الانحياز (عدم التوازن) في التأثير بقوة على الميزان العسكري لمصر الذي سيكون في هذه الحالة أشد ميلا نحو إسرائيل. يؤدي الانخراط في أي أزمة إقليمية إلى وقوع أضرار فادحة لمصر، ربما تدخلها في مستنقع يصعب الخروج منه. وهو ما قصّه على كاتب هذا المقال أحد القيادات الكبار في مصر منذ نحو سبعة أعوام عندما كانت الأزمة الليبية في أعلى عنفوانها، وسأله مباشرة عن فرص تدخل الجيش المصري مباشرة وإرسال قوات مشاة إلى ليبيا، فكانت إجابته القاطعة “لن نتدخل عسكريا في أي أزمة إقليمية عموما، ما لم يتم الاعتداء مباشرة على حدودنا”.
يعد سلاحا السلام والردع، وتحملهما مصر على عاتقها خيارا مناسبا لها في هذه المرحلة، والتي تتسم فيها المنطقة بسيولة مخيفة وصراعات متشابكة. لا أحد يعلم المدى الذي يمكن أن تصل إليه بعد سنوات قليلة، وسط غموض في النهايات المتوقعة للحروب السائدة، والتباس كبير في التسويات المنتظرة.

التعليقات