روما – أدخلت التحقيقات التي تجريها النيابة العامة في روما بشأن اعتراض أسطول الصمود المتجه إلى قطاع غزة الملف من مرحلة توثيق شكاوى الناشطين إلى محاولة تحديد المسؤولية داخل المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، واتسعت قائمة المشتبه بهم لتشمل 13 مسؤولاً، بينهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ورئيس الأركان إيال زامير إلى جانب قيادات عسكرية ومسؤولين عن السجون. وفق صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية.
وتستند التحقيقات إلى إفادات نحو 50 شخصاً شاركوا في رحلتي الأسطول عامي 2025 و2026، إلى جانب تسجيلات مصورة وفحوص فنية وتقارير طبية، بهدف إعادة بناء الوقائع التي رافقت اعتراض السفن واحتجاز الناشطين.
وتبحث النيابة في شبهات تتعلق بالخطف والتعذيب والسرقة وإلحاق أضرار بالممتلكات البحرية بما عرّض السفن لخطر الغرق. كما تتناول التحقيقات ظروف احتجاز المشاركين ونقلهم إلى السجون الإسرائيلية، وما أبلغ عنه بعضهم من تعرضهم للضرب والتهديد وسوء المعاملة.
وأفادت النيابة، وفق ما نقلته وكالة “لابريس” الإيطالية، بأن التحريات التي أجراها قسم مكافحة الإرهاب في وحدة العمليات الخاصة التابعة لقوات الدرك الإيطالية ساعدت في إعادة بناء تسلسل الأحداث. وشملت الوقائع التي يجري فحصها اعتراض السفن في المياه الدولية، وتدمير معدات البث المباشر ومصادرة الأجهزة الإلكترونية للناشطين.
وتحاول السلطات القضائية التحقق من مدى قانونية هذه الإجراءات، والظروف التي نُفذت فيها عمليات الاعتراض والاحتجاز، فضلاً عن تحديد المسؤوليات الفردية المحتملة. وتظل هذه الوقائع والاتهامات موضوع تحقيق قضائي، وليست أحكاماً نهائية تثبت وقوع الجرائم المنسوبة إلى المشتبه بهم.
وسبق أن برز اسم إيتمار بن غفير في التحقيق الإيطالي خلال يونيو/حزيران الماضي، على خلفية دوره بصفته وزير الأمن القومي، وتصرفاته تجاه ناشطين احتُجزوا في ميناء أسدود. وأثار مقطع مصور نشره الوزير يظهر فيه ناشطون مقيدو الأيدي موجة انتقادات، وأصبح من المواد التي سعت النيابة إلى فحصها ضمن التحقيق.
لكن التطور الأحدث يتمثل في توسيع نطاق الاشتباه ليشمل وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، إلى جانب ضباط كبار ومسؤولين عن وحدات عسكرية خاصة والسجون. ويشير ذلك إلى اهتمام المحققين بتحديد مستوى المسؤولية الذي قد يتجاوز الأشخاص الذين نفذوا عمليات الاعتراض أو تعاملوا مباشرة مع المحتجزين.
ووفق الصحيفة الإيطالية، لا يقتصر عمل النيابة على توثيق ما جرى على متن السفن أو داخل مراكز الاحتجاز، بل يشمل محاولة تتبع سلسلة الأوامر وتحديد من اتخذ القرارات المتعلقة بالعمليات، ومن أشرف على تنفيذها، وما إذا كانت هناك مسؤوليات على مستويات قيادية مختلفة.
ويميز هذا المسار القانوني بين المسؤولية المحتملة عن تنفيذ أفعال بعينها، والمسؤولية التي قد تنشأ عن إصدار الأوامر أو الإشراف على عمليات يُشتبه في مخالفتها للقانون. غير أن إدراج المسؤولين في التحقيق لا يعني تلقائياً أن النيابة أثبتت إصدارهم أوامر غير قانونية، إذ يتطلب ذلك أدلة محددة بشأن دور كل شخص ومدى صلته بالوقائع.
ولا تجري التحقيقات الإيطالية بمعزل عن تحركات قضائية في دول أخرى. ففي سبتمبر/أيلول الماضي فتحت 11 دولة تحقيقات أو بدأت إجراءات قضائية بشأن وقائع مرتبطة بالهجمات على أسطول الصمود، وعقد ممثلون عن جهات الادعاء فيها اجتماعاً في لاهاي لتبادل المعلومات ومراجعة مسارات التحقيق.
وشملت الدول المذكورة إيطاليا والبرتغال وإسبانيا وفرنسا والسويد وبولندا وبلجيكا وهولندا وأستراليا وفنلندا وسلوفاكيا. وتختلف طبيعة الإجراءات ونطاقها من دولة إلى أخرى، تبعاً للوقائع المعروضة أمام السلطات القضائية، وجنسية المتضررين، والاختصاص القانوني المتاح.
وتتيح هذه التحركات، من حيث المبدأ، تبادل المعلومات والأدلة المتعلقة بأحداث وقعت في المياه الدولية أو خارج الأراضي الوطنية، خصوصاً عندما يكون بين المتضررين مواطنون من دول مختلفة. لكنها لا تعني وجود محاكمة دولية موحدة، ولا أن جميع الدول المعنية تتبنى الاتهامات نفسها أو تتبع الإجراءات ذاتها.
وأثارت القضية خلافاً دبلوماسياً بين إيطاليا وإسرائيل. فقد وصفت رئيسة الحكومة الإيطالية جورجا ميلوني ووزير الخارجية أنطونيو تاياني، في بيان مشترك سابق، معاملة ناشطي الأسطول بأنها غير مقبولة، فيما استدعت وزارة الخارجية الإيطالية السفير الإسرائيلي في روما وأبلغته احتجاج الحكومة.
كما أثار بن غفير انتقادات بعد نشره مقطعاً مصوراً يسخر فيه من ناشطين مقيدين، قبل أن يرد على الانتقادات الإيطالية بمنشور مسيء إلى إيطاليا. ووصف تاياني تصريحاته بأنها غير مقبولة ولا تليق بوزير.
وتكمن أهمية التحقيق في أنه يختبر مدى قدرة القضاء الوطني على النظر في شكاوى تتعلق بوقائع حدثت في المياه الدولية أو خارج الأراضي الإيطالية، عندما يكون مواطنون إيطاليون بين المتضررين. وفي الوقت نفسه، يظل نجاح المسار مرهوناً بصلابة الأدلة، وعدم الخلط بين المسؤولية السياسية والقيادة الإدارية والمسؤولية الجنائية الفردية.

التعليقات