
رفض مستشار وزارة الخزانة الأمريكية ديفيد زيرفوس التحذيرات التي أطلقها صندوق النقد الدولي بشأن تزايد الدين العام في الولايات المتحدة، منتقدًا سجل الصندوق في التوقعات الاقتصادية، ومعتبرًا أن المؤسسة الدولية مطالبة بمراجعة تقديراتها السابقة قبل توجيه الانتقادات إلى السياسات المالية الأمريكية.
وجاءت تصريحات زيرفوس، التي نقلتها شبكة CNBC يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، في ظل تصاعد النقاش حول قدرة الاقتصاد الأمريكي على احتواء الدين الحكومي المتزايد، وما إذا كان تحقيق معدلات نمو قوية كافيًا لضمان استدامة المالية العامة على المدى الطويل.
ويأتي هذا الخلاف بعدما تجاوز الدين الحكومي الأمريكي مستوى 40 تريليون دولار، بالتزامن مع تحذيرات اقتصاديين من أن ارتفاع العجز المالي ومدفوعات الفائدة قد يزيد الضغوط على الموازنة، ويجعل السيطرة على مسار الدين أكثر صعوبة.
مستشار الخزانة الأمريكية ينتقد توقعات صندوق النقد الدولي
انتقد ديفيد زيرفوس، مستشار وزارة الخزانة الأمريكية، توقعات صندوق النقد الدولي بشأن أداء الاقتصاد العالمي، مستشهدًا بعدد من الحالات التاريخية التي رأى أنها تكشف عن صعوبة التنبؤ بالتطورات الاقتصادية بدقة.
وأشار زيرفوس إلى أن الصندوق توقع نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3% في عام 2008، قبل أن يشهد العالم انكماشًا اقتصاديًا واسعًا في العام التالي، في أعقاب الأزمة المالية العالمية.
كما استشهد بتوقعات الصندوق بشأن اقتصادات جنوب شرق آسيا قبل الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، إلى جانب تقييماته للاقتصاد الروسي في عام 2022، معتبرًا أن هذه التجارب تستدعي مراجعة سجل التوقعات الاقتصادية للمؤسسة الدولية.
وتطرق مستشار وزارة الخزانة الأمريكية أيضًا إلى برنامج الإنقاذ المالي للأرجنتين، الذي بلغت قيمته 57 مليار دولار، مشيرًا إلى أن البلاد واجهت صعوبات مالية لاحقًا. وانتقد كذلك تقديرات الصندوق السابقة بشأن التضخم الأمريكي، عندما اعتُبر ارتفاع الأسعار مؤقتًا، وفقًا لما أورده في تصريحاته.
وتأتي هذه الانتقادات في إطار خلاف بشأن تقييم المخاطر الاقتصادية، ومدى قدرة توقعات المؤسسات الدولية على تحديد المسارات المستقبلية للاقتصادات الكبرى.
صندوق النقد الدولي يحذر من تزايد الدين الأمريكي
في المقابل، حذرت المديرة العامة لـ صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، من أن النمو الاقتصادي القوي وحده لن يكون كافيًا لوضع الدين الأمريكي المتصاعد على مسار مستدام.
ودعت جورجيفا إلى اتخاذ إجراءات مالية إضافية لمعالجة المشكلة، في ظل المخاوف المتعلقة باستمرار ارتفاع الدين الحكومي وتزايد تكاليف خدمته.
ويعكس موقف صندوق النقد الدولي أهمية النظر إلى الدين العام من خلال مجموعة من المؤشرات، تشمل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، وحجم العجز في الموازنة، وأسعار الفائدة، وقدرة الحكومة على زيادة الإيرادات أو ضبط النفقات.
وبحسب هذا الطرح، فإن نمو الاقتصاد قد يساعد على تحسين نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، لكنه لا يضمن وحده السيطرة على الدين إذا استمرت الالتزامات الحكومية في الارتفاع بوتيرة أسرع من الإيرادات والناتج الاقتصادي.
سكوت بيسنت يراهن على النمو الاقتصادي لخفض نسبة الدين
بدأ الخلاف الحالي بعد تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في أغسطس 2026، عندما أكد أن الولايات المتحدة قادرة على خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من خلال تحقيق نمو اقتصادي قوي.
ويستند هذا التوجه إلى أن زيادة الناتج المحلي قد تساعد على تحسين قدرة الاقتصاد على استيعاب الالتزامات الحكومية، وتقليل نسبة الدين مقارنة بحجم النشاط الاقتصادي.
لكن تحذيرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن تحقيق النمو لا يلغي الحاجة إلى التعامل مع العجز المالي وتكاليف الاقتراض، خاصة إذا استمرت مدفوعات الفائدة في استهلاك حصة متزايدة من موارد الموازنة.
وبذلك يتمحور الخلاف بين الجانبين حول مدى كفاية النمو الاقتصادي لمعالجة أزمة الدين، مقابل الحاجة إلى إجراءات مالية إضافية تضمن استقرار المؤشرات المالية الأمريكية على المدى الطويل.
ارتفاع الفوائد والعجز يثيران مخاوف بشأن استدامة الدين
يحذر عدد من الاقتصاديين من أن استمرار ارتفاع الدين الأمريكي بالتزامن مع زيادة مدفوعات الفائدة والعجز المالي قد يرفع تكلفة الاقتراض الحكومي، ويحد من قدرة الحكومة على توجيه موارد إضافية إلى قطاعات أخرى.
وتزداد الضغوط عندما ترتفع تكلفة خدمة الدين بصورة مستمرة، إذ قد يؤدي ذلك إلى توسيع العجز أو زيادة الحاجة إلى الاقتراض، بما يثير تساؤلات بشأن قدرة المالية العامة على تحمل الالتزامات المستقبلية.
ومع ذلك، فإن ارتفاع الدين لا يعني بالضرورة وقوع أزمة مالية حتمية؛ إذ تتوقف المخاطر على عوامل متعددة، تشمل مسار النمو الاقتصادي، ومستويات أسعار الفائدة، والإيرادات الحكومية، وقدرة الدولة على إدارة ديونها.
تحذيرات من ارتفاع الدين العالمي
وسعت كريستالينا جورجيفا نطاق تحذيراتها ليشمل اقتصادات كبرى أخرى، داعية الحكومات إلى تعزيز الانضباط المالي والعمل على الحد من مستويات الدين العام.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تجاوز فيه إجمالي الدين العالمي 365 تريليون دولار خلال النصف الأول من العام، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير الأصلي، بما يسلط الضوء على اتساع تحديات الاقتراض وتكاليف خدمة الدين على مستوى العالم.
ويظل الدين العام الأمريكي من أبرز الملفات التي تتابعها الأسواق الدولية، نظرًا إلى حجم الاقتصاد الأمريكي وتأثير سياساته المالية في أسواق السندات والدولار وتدفقات الاستثمار.
وفي ظل استمرار الجدل، تتمسك الإدارة الأمريكية بأهمية النمو الاقتصادي في تحسين مؤشرات الدين، بينما يشدد صندوق النقد الدولي على ضرورة معالجة التحديات المالية بصورة أشمل، تشمل العجز ومدفوعات الفائدة ومسار الدين على المدى الطويل.

التعليقات