هندسة الخداع المالي .. حين تحول الذهب إلى سراب
في تسعينيات القرن الماضي، لم يحتج مستثمرو شركة “بري-إكس مينيرالز” الكندية إلى خريطة كنز أو رحلة بحرية للوصول إلى حلمهم، بل كانت لديهم تقارير جيولوجية، وعينات صخرية، وتقديرات لثروة مدفونة في أعماق غابات إندونيسيا.
وحدها الحقيقة كانت غائبة، إذ الذهب الذي بنوا عليه آمالهم لم يكن موجودًا بالكميات المزعومة، فيما تحولت شركة صغيرة إلى إمبراطورية ورقية، قبل أن تنهار في واحدة من أشهر الخدع في قطاع التعدين.

اكتشاف استثنائي
تأسست “بري-إكس” عام 1989 على يد رجل الأعمال الكندي “ديفيد والش”، لكنها لم تتحول إلى حديث الأسواق إلا بعد أن اتجهت أنظارها إلى منطقة بوسانغ النائية، في مقاطعة كاليمانتان الشرقية بجزيرة بورنيو الإندونيسية.
في عام 1993، دخل الجيولوجي الهولندي “جون فيلدرهوف” على خط المشروع، مقتنعًا بأن المنطقة تخفي رواسب ذهب واعدة، ثم تولى الجانب الجيولوجي، بينما كان “والش” مسؤولاً عن مهمة تحويل الاكتشاف المحتمل إلى فرصة استثمارية قادرة على جذب الأموال، وانضم إليهما الجيولوجي “مايكل دي غوزمان”، الذي أشرف على عمليات التنقيب الميدانية.
كانت البداية محفوفة بالمخاطر، فرخصة التنقيب كانت تقترب من انتهاء صلاحيتها في ديسمبر 1993، ولم تكشف البئران الأوليان عن الذهب المأمول، ومع اقتراب الموعد النهائي، حُفرت بئر ثالثة في موقع حدده “دي غوزمان”، لتظهر نتائج بدت واعدة، ثم جاءت العينات اللاحقة لتدعم الاعتقاد بأن الفريق يقف أمام اكتشاف استثنائي.
أعلنت “بري-إكس” في منتصف التسعينيات عن تقديرات متزايدة للذهب في بوسانغ، من عشرات الملايين من الأوقيات إلى نحو 200 مليون أوقية في التقديرات التي رُوجت لاحقًا، وبدا أن الشركة الصغيرة عثرت على واحد من أضخم مكامن الذهب في العالم.
كانت تلك الأرقام كافية لنقل المشروع من هامش قطاع التعدين إلى مركز اهتمام المستثمرين والمؤسسات المالية، غير أن السؤال الذي سيحدد مصير الجميع ظل مؤجلًا: هل تعكس العينات فعلًا ما تخفيه الأرض؟

بريق الذهب
في أسواق المال، لا يحتاج المستثمر إلى رؤية الذهب بعينيه كي يشتري أسهم شركة تعد باستخراجه، يكفي أن يثق في البيانات التي تقدمها، وفي الخبراء الذين يؤكدون أن وراء الصخور ثروة هائلة.
وهكذا بدأ السهم “بري-إكس” رحلة صعود، إذ ارتفع سعر السهم من مستويات زهيدة إلى مئات الدولارات الكندية عند ذروته في مايو 1996، فيما قُدرت القيمة السوقية للشركة بالمليارات، لم يعد الأمر مجرد مشروع تنقيب، بل قصة اكتشاف استثنائي جذبت المستثمرين من كندا والولايات المتحدة وأسواق أخرى.
وساعدت التقديرات الضخمة على ترسيخ الاعتقاد بأن الشركة تمتلك أصلًا استراتيجيًا قادرًا على تغيير مستقبلها، حتى المؤسسات المالية أيدت ذلك، ففي ديسمبر 1996، أوصى “ليمان براذرز” بشراء الأسهم، وأشار إلى الاكتشاف باعتباره فرصة استثنائية.
حتى جاءت لحظة حاسمة، في مطلع عام 1997، عندما رأت الحكومة الإندونيسية أن المشروع أكبر من أن تحتفظ به الشركة الكندية وحدها، فبدأت ترتيبات لإشراكها وشركة تعدين كبرى في تطويره، وبرزت شركة “فريبورت-ماكموران” الأمريكية بوصفها شريكًا محتملًا.

عينة واحدة تكشف الخدعة
في قطاع التعدين، لا يكفي أن تعلن شركة اكتشاف رواسب ضخمة، إذ يتعين على الشركاء والمستثمرين التحقق من النتائج عبر أخذ عينات جديدة وإجراء اختبارات مستقلة، ولهذا أرسلت “فريبورت” فريقًا من الجيولوجيين إلى بوسانغ، حيث حفر آبارًا موازية وأرسل العينات المستخرجة إلى المختبرات.
كانت النتائج صادمة، لم تكشف الاختبارات عن مخزون الذهب الهائل الذي تحدثت عنه “بري-إكس”، بل عن كميات ضئيلة لا تدعم الجدوى الاقتصادية المزعومة للمشروع، وعندما تكررت النتائج في التحليلات المستقلة، بدأ أساس القصة يتداعى.
وفي مارس 1997، استعانت “بري-إكس” أيضًا بشركة “ستراتكونا للخدمات المعدنية” للتحقق من العينات، وجاءت النتائج لتؤكد أن الموقع يحوي فقط “كميات ضئيلة جداً من الذهب”، مؤكدة أنه “لا توجد عملياً أي احتمالية لوجود مخزون ذهب ذي جدوى اقتصادية” في ذلك الموقع.
كشفت التحقيقات الفنية عن استخدام أسلوب يُعرف باسم “التمليح”، يقوم على إدخال الذهب من مصدر خارجي إلى العينات الصخرية لإيهام المختبرات بأن الصخور المستخرجة من الموقع تحتوي على المعدن النفيس، وتركزت الاتهامات حول “دي غوزمان”، الذي أشارت الروايات والتحقيقات المتعلقة بالفضيحة إلى أنه استخدم رقائق ذهبية جُلبت من مصادر أخرى لتزييف نتائج التحاليل.
بهذه الطريقة، لم يكن المطلوب إنشاء منجم مزيف فوق الأرض، بل صناعة دليل مخبري يبدو حقيقيًا بما يكفي لإقناع الآخرين بأن الثروة موجودة تحتها. وقد سمح تكرار النتائج المضللة وتضخم التقديرات بتعزيز الرواية على مدى سنوات، بينما ظلت عملية التحقق المستقل هي الحلقة الحاسمة الغائبة.

اختفاء المسؤولين
في 19 مارس 1997، استقل “دي غوزمان” مروحية متجهة إلى موقع التنقيب في غابات بورنيو، وبعد نحو عشرين دقيقة من الرحلة، سقط من المروحية ولقي حتفه، وأعلنت الشركة لاحقًا أنه انتحر، لكن ظروف الواقعة أثارت تساؤلات، ولم تُحسم جميع تفاصيلها بصورة قاطعة.
وفي الوقت نفسه، كان سهم “بري-إكس” ينهار، فقد خسر نحو 97% من قيمته في موجة الهبوط التي أعقبت انكشاف الفضيحة، ووصل إلى 8.5 سنت كندي، قبل تعليق التداول، وتبخرت مليارات الدولارات من القيمة السوقية، وانتهت الشركة إلى طلب الحماية من الإفلاس.
دافع “والش” عن موقفه، مؤكدًا أنه صُدم باكتشاف أن الذهب الذي اعتقد الجميع وجوده لم يكن موجودًا، لكنه توفي عام 1998 إثر إصابته بتمدد في الأوعية الدموية بالدماغ، قبل أن تتضح جميع جوانب القضية، أما “فيلدرهوف”، فقد واجه اتهامات بالتداول بناءً على معلومات داخلية، ثم بُرئ منها عام 2007.
لم يستعد المستثمرون الأموال التي تبخرت مع انهيار السهم، ولم تتحول الأدغال الإندونيسية إلى المنجم الأسطوري الذي وُعدوا به. وبقيت فضيحة “بري-إكس” مثالًا على قدرة البيانات المزورة، حين تحظى بثقة السوق، على صناعة ثروة هائلة من أصل لا يساوي شيئًا.
المصادر: صحيفة “وول ستريت جورنال” – “ماينينج دوت كوم” – بيزنس إنسايدر – سي إن بي سي
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات