التخطي إلى المحتوى

عادة ما تتعلم الشعوب من تجاربها، وتختبر الحركات الوطنية صحة برامجها ومصداقية مواقفنا في ميدان الممارسة، فالتجربة ليست مجرد أحداث مضت، بل فرصة لاستخلاص الدروس، والبناء على ما تحقق من إنجازات، وتصحيح الأخطاء التي قادت إلى الأزمات والإخفاقات ونحن الفلسطينيين أحوج ما نكون إلى تحويل دروس تجربتنا إلى ممارسات فعلية، بدلاً من تكرار أخطاء دفع الشعب الفلسطيني أثمانها كوارث وطنية.

ومن أبرز القضايا التي يفرض هذا الدرس الوطني التأمل فيها اليوم مسألة الانتخابات التشريعية الفلسطينية، بوصفها اختبارا حقيقيا لمدى القدرة على الاستفادة من تجارب الماضي وتصحيح مساراته. بهذا المعنى، يأتي “تأجيل الانتخابات”، ليمس جوهر نظام سياسي نريده ان يبدأ بشكل يشبه تاريخنا النضالي الناصع. فالتأجيل، في ظل الانقسام والاحتلال وتآكل الثقة بالمؤسسات، ليس خيارا إداريا معزولا عن سياقه، بل خيارا سياسيا سوف تترتب عليه تداعيات لا أحد يتوقع مداها.

إن الخطر لا يكمن في “تأجيل الانتخابات” لفترة محددة تفرضها ظروف يريد البعض ان يصفها بـ”الاستثنائية”، بقدر ما يكمن في تحول التأجيل إلى سياسة مفتوحة، تعلق بموجبها إرادة الناخبين إلى أجل غير معلوم، وتترك المؤسسات القائمة من دون تجديد ديمقراطي. عندها، يصبح التأجيل، وإن احتفظ بتسميته القانونية، إلغاء عمليا للاستحقاق الديمقراطي.

تقدم تجربة عام 2021 نموذجا واضحا لما يمكن أن تؤول إليه الانتخابات، عندما تتعطل لأسباب فصائلية.، ففي 15 يناير/كانون الثاني عام 2021، صدر مرسوم رئاسي دعا إلى إجراء الانتخابات التشريعية في مايو/أيار، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في يوليو/تموز من العام نفسه.

غير أن المرسوم رقم (12) لسنة 2021، قرر تأجيل الانتخابات العامة إلى حين توافر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها مدينة القدس.

ورغم أن المرسوم تحدث صراحة عن “التأجيل”، لكن النتيجة العملية كانت توقف العملية الانتخابية من دون تحديد موعد جديد وملزم لاستئنافها. وهكذا، تحول التأجيل من مرحلة مؤقتة إلى إلغاء للانتخابات. وقد ثبت بالملموس، أن التأجيل، حين لا تحكمه ضوابط واضحة، سيتحول إلى حالة دائمة، وسيؤدي إلى تعميق الأزمة بدلا من معالجتها.

لذلك، فعندما طرحت بعض الفصائل أمر تأجيل الانتخابات لعام أو عامين، يبدو الأمر لها وكأن الفلسطينيين يعيشون في دولة مستقلة ونظام سياسي مستقر، ويمتلكون السيطرة على واقعهم السياسي والأمني والجغرافي، ويستطيعون العودة إلى صناديق الاقتراع متى شاءوا.

 الواقع الفلسطيني مختلف تماما؛ فنحن نعيش تحت الاحتلال، في ظل ضغوط سياسية وعسكرية واقتصادية متواصلة، بينما تتسارع السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الوقائع على الأرض.

في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع الزمن بوصفه عنصرا محايدا، فكل فترة تمر دون تجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات تضيف خسائر جديدة على واقعنا السياسي، فتأجيل الانتخابات، هنا، ليس مجرد تأخير لموعد التصويت، بل هو إهدار فرصة كان يمكن البناء عليها في تعزيز الموقف الفلسطيني، وإعادة بناء مؤسسات تستمد شرعيتها من الشعب، وتكون أكثر قدرة على مواجهة مخططات الاحتلال. وكلما طال الانتظار، ازدادت كلفة استمرار الفراغ السياسي وتآكل الشرعيات.

رغم ذلك، فالحديث عن الظروف الاستثنائية التي قد تعيق إجراء الانتخابات لا ينبغي أن يقابل بالتجاهل أو الإنكار، فهناك عقبات حقيقية تتصل بقيود الاحتلال، وإمكانية التصويت في القدس، والأوضاع الميدانية في قطاع غزة، وحرية الحركة، وتوفير الشروط الأمنية واللوجستية اللازمة لانتخابات حرة ونزيهة.

لكن الاعتراف بهذه العقبات لا يعني التسليم باستحالة إجراء الانتخابات، ولا يمنح أي جهة تفويضا مفتوحا لتعليقها، فالمسؤولية الوطنية تقتضي تحديد العوائق بدقة، وتقديم معطيات واضحة وشفافة بشأنها، والعمل على معالجتها من خلال خطة سياسية وقانونية ودبلوماسية متوافق عليها وطنيا، ومن ثم تحويلها إلى استراتيجية مواجهة تستفيد من بعض نقاط القوة، داخليا وخارجيا، وهذا لم يحدث، فجاء التأجيل على مقاس من اقترحه ووافق عليه.

قد يبدو التأجيل لبعض القوى الخيار الأسهل؛ فهو يؤجل المواجهة السياسية، ويمنح بعض الأطراف وقتا إضافيا لترتيب أوضاعها، ويجنبها نتائج قد لا تكون مستعدة لها، لكن ما يبدو أقل كلفة على المستوى الفصائلي قد يكون أشد ضررا على المستوى الوطني، فاستمرار تعطيل الانتخابات يضعف ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات على تجديد شرعيتها، ويوسع الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي. ومع مرور الوقت، تتراجع قناعة المواطنين بفاعلية الوسائل الديمقراطية، بينما يستمر الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض.

بات واضحا أن تأجيل الانتخابات الفلسطينية، وإن كان ينسجم في بعض جوانبه مع حسابات ومصالح بعض الفصائل، فإنه يخدم أيضا مطلبا خارجيا لا يريد للفلسطينيين امتلاك قرارهم الديمقراطي، بغض النظر عن نوايا من طلب واراد التأجيل.

 لكن السياسة لا تدار بحسن نوايا أصحابها، بل هي تفاصيل تدب على الأرض، فإسرائيل، على سبيل المثال، لا ترغب في إجراء انتخابات قد تفضي إلى ترسيخ مؤسسات فلسطينية منتخبة تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية، بما يعزز قدرة الفلسطينيين على مواجهة سياسات الاحتلال ومخططات فرض الوقائع على الأرض والولايات المتحدة، لا تبدو معنية بانتخابات يمكن أن تفضي إلى تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية في قطاع غزة، وتمديد ولايتها السياسية والقانونية، على الأقل حتى نهاية عام 2027، بما قد يعرقل الترتيبات التي تسعى إلى فرضها على مستقبل القطاع، بعيدا عن الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني.

إن كان المطلوب ليس إجراء انتخابات شكلية لا تتوافر لها شروط الحرية والنزاهة، فأيضا عدم تجاهل الصعوبات القائمة؛ بل التعامل معها باعتبارها تحديات ينبغي مواجهتها على مختلف المستويات، لا ذرائع دائمة لتعليق الحياة الديمقراطية، فإذا كانت القدس هي العقبة، وجب تكثيف النضال لضمان مشاركة أهلها وإذا كان الاحتلال هو العائق، وجب تحويل الانتخابات إلى مناسبة لتعبئة الدعم الدولي والضغط من أجل احترام الحقوق الفلسطينية وإذا كان الانقسام هو المشكلة، وجب جعل الانتخابات مدخلا ديمقراطيا لمعالجته.

إن تكرار التجربة من دون مراجعة جادة لدروسها يهدد بتكريس الأزمة السياسية وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والتأجيل المؤقت إلى تعطيل دائم. كما أن الدفاع عن إجراء الانتخابات لا يعني أن الظروف مثالية، فهي لن تكون مثالية في ظل الاحتلال والانقسام والقيود المفروضة على الشعب الفلسطيني، لكنه يعني امتلاك الإرادة السياسية لتحويل الانتخابات إلى جزء من المعركة الوطنية من أجل الحرية والاستقلال والوحدة، وتجديد شرعية المؤسسات، واستعادة ثقة المواطنين بقدرتهم على التأثير في القرار الوطني.

لذلك نقول: إن الانتخابات ليست اجتهادا فصائليا فئويا، بل ضرورة وطنية، فالشعوب لا تصنع مستقبلها بانتظار ظروف مثالية قد لا تأتي، وإنما بإرادتها السياسية وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للتغيير. وقد آن الأوان للاستفادة من درس عام 2021: لا يجوز أن يبقى حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه رهينة التأجيل، ولا أن تتحول الصعوبات إلى ذريعة لتعطيل الديمقراطية، فالتأجيل الذي لا يملك ضمانات ملزمة لاستئناف الانتخابات، لن يكون قادرا على تقديم حل لمشاكل الشعب والقضية، ولا أن يجترح برامج وطنية، بل إنه، وفي ظل الظروف الحالية الوصفة الأفضل والأمثل لإلغاء الانتخابات ولتتحمل كافة الأطراف التي حملت على أكتافها قرار التأجيل مسؤوليتها الوطنية أمام شعبها والتاريخ.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *