التخطي إلى المحتوى

واشنطن ـ كشفت دراسة علمية أميركية عن نتائج واعدة في مجال العلاج الجيني، قد تمهد الطريق أمام تطوير أساليب جديدة لتحسين البصر واستعادة بعض الوظائف البصرية لدى المصابين باضطرابات وراثية نادرة، من خلال قدرة الشبكية على إعادة بناء أجزاء من بنيتها وإصلاح روابط عصبية تضررت أو لم تتطور بصورة طبيعية.

وأجرى الدراسة فريق من الباحثين في جامعة ولاية ميشيغان الأميركية، حيث اختبروا تأثير جرعة واحدة من العلاج الجيني على حيوانات تعاني اضطرابا وراثيا يؤثر في تطور الشبكية ووظيفتها.

وأظهرت النتائج أن العلاج لم يقتصر على إبطاء تدهور القدرة البصرية، بل ساعد أيضا في تحفيز الشبكية على استعادة بعض البنى العصبية التي لم تكتمل بصورة طبيعية خلال مراحل النمو الأولى.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن الشبكية تمثل جزءا أساسيا من منظومة الإبصار، إذ تستقبل الخلايا الحساسة للضوء الإشارات البصرية وتحولها إلى معلومات عصبية تنتقل عبر شبكة معقدة من الخلايا والروابط إلى الدماغ.

وأي خلل في تطور هذه الشبكة أو تضرر الاتصالات بين مكوناتها يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على قدرة العين على معالجة المعلومات البصرية.

وخلال التجارب، لاحظ الباحثون تحسنا ملحوظا في أداء الحيوانات في اختبارات الرؤية، وكان هذا التحسن أكثر وضوحا في ظروف الإضاءة الخافتة.

 ولم تتوقف المؤشرات الإيجابية عند الجانب الوظيفي، إذ كشفت الفحوص عن تغيرات بنيوية داخل الشبكية، شملت نمو طبقات تحتوي على روابط عصبية ضرورية لعملية الإبصار، إلى جانب تحسن التواصل بين الخلايا الحساسة للضوء والخلايا العصبية الأخرى.

وتشير هذه المعطيات إلى أن العلاج الجيني ربما يؤدي دورا يتجاوز تصحيح الخلل الوراثي أو الحد من تطور المرض، ليشمل تحفيز الأنسجة العصبية على استعادة بعض قدراتها البنيوية.

ويُعد هذا الجانب من أبرز ما يميز الدراسة، إذ ظل الاعتقاد قائمًا لفترة طويلة بأن قدرة الشبكية على إعادة تشكيل روابطها العصبية تصبح محدودة جدا بعد اكتمال مراحل النمو.

لكن النتائج الجديدة تقدم صورة أكثر تفاؤلا، بعدما استمرت التأثيرات الإيجابية للعلاج طوال فترة المتابعة التي امتدت إلى ثلاث سنوات.

ويشير استمرار التحسن إلى أن الشبكية البالغة قد تحتفظ بقدر من المرونة العصبية يسمح لها بإعادة تكوين بعض الاتصالات الضرورية للرؤية، حتى بعد مرور سنوات على اكتمال نموها.

ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة لا تقتصر على الاضطراب الوراثي الذي استُخدم في التجارب، إذ يمكن أن تسهم النتائج مستقبلًا في تطوير مقاربات علاجية تستهدف إصلاح الشبكات العصبية المتضررة في مجموعة أوسع من أمراض العين.

وقد يشمل ذلك حالات تؤدي إلى فقدان تدريجي للوظائف البصرية نتيجة تلف الخلايا أو الروابط العصبية داخل الشبكية.

ومع ذلك، لا تزال هذه النتائج في مرحلة البحث قبل السريري، ما يعني أن الانتقال من التجارب الحيوانية إلى التطبيقات العلاجية لدى البشر يحتاج إلى دراسات إضافية لتقييم السلامة والفعالية وتحديد الجرعات المناسبة وآليات الاستجابة للعلاج. كما سيتعين على الباحثين فهم طبيعة التغيرات العصبية التي حدثت بصورة أكثر دقة، والتأكد من إمكانية تكرار النتائج لدى المرضى.

وتعزز الدراسة في المقابل الاهتمام المتزايد بالعلاج الجيني باعتباره أحد المسارات الواعدة في التعامل مع أمراض وراثية كانت خيارات علاجها محدودة.

وإذا أثبتت الأبحاث المستقبلية سلامة هذه المقاربة وفاعليتها لدى البشر، فقد تمثل القدرة على إعادة بناء بعض الروابط العصبية داخل الشبكية خطوة مهمة نحو تطوير علاجات لا تكتفي بالحفاظ على ما تبقى من الرؤية، وإنما تسعى إلى استعادة جزء من الوظائف البصرية المفقودة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *