بغداد – أعلن رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أن خمسة فصائل مسلحة وافقت على تسليم أسلحتها للدولة، مؤكداً أن ثلاثة منها نفذت ذلك بالفعل، فيما يستمر الحوار مع الفصيلين الآخرين، بينما يأتي الإعلان في سياق مسار حكومي يتعامل مع ملف السلاح باعتباره جزءاً من إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة، بالتوازي مع تأكيد الزيدي أن القرار العراقي يجب أن يكون مستقلاً عن صراعات المنطقة.
وقال الزيدي، خلال لقائه شيوخ ووجهاء العشائر، إن الحكومة تعمل على تعزيز حضور الدولة وعدم السماح لمن يحاول إضعافها أو تهديد وجودها، مشيداً بدور العشائر في دعم مؤسسات الدولة وضبط النظام خلال الأوقات الصعبة، فيما تبدو إشارته إلى تسليم الفصائل أسلحتها أكثر من مجرد إعلان أمني، إذ تضع القضية في إطار أوسع يتعلق بمفهوم الدولة واحتكارها أدوات القوة والقرار.
وتكتسب عبارة الزيدي بشأن موافقة خمسة فصائل وتسليم ثلاثة منها بالفعل أهمية خاصة، لأنها تشير إلى أن مسار حصر السلاح لا يجري دفعة واحدة، وإنما عبر تفاهمات متدرجة مع الفصائل. وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن مفاوضات حكومية مع خمسة فصائل هي حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب حزب الله العراقي، وسرايا أولياء الدم، وأصحاب الكهف، في إطار مساعي تسليم السلاح والاندماج في مؤسسات الدولة.
وبذلك، يمكن قراءة تصريحات رئيس الوزراء العراقي باعتبارها إعلاناً بالتقسيط عن مسار أكبر، فالإعلان الأول عن موافقات الفصائل، ثم الكشف عن تسليم ثلاثة منها، يترك الباب مفتوحاً أمام استكمال التفاهمات مع الأطراف المتبقية. وهذا الأسلوب قد يسمح للحكومة بإدارة الملف تدريجياً، بعيداً عن إعلان مواجهة شاملة مع الفصائل التي ما زالت تحتفظ بقدراتها العسكرية.
ولا يعني الإعلان، في حد ذاته، أن ملف السلاح قد حُسم بصورة نهائية؛ فالزيدي تحدث صراحة عن استمرار الحوار مع الآخرين، بما يؤكد أن الانتقال من الموافقة السياسية إلى التسليم الفعلي يمثل المرحلة الأكثر حساسية. كما أن معرفة هوية الفصائل الثلاثة التي سلّمت أسلحتها، وطبيعة الأسلحة التي جرى تسليمها، والجهة الحكومية التي تسلمتها، ستكون عناصر ضرورية لتقييم مدى تقدم المسار على الأرض، وليس الاكتفاء بالإعلانات السياسية.
وتربط الحكومة هذا الملف بمفهوم أوسع للسيادة، فالزيدي قال إن العراق يحتاج إلى شراكات دولية نافعة، وإن الإصلاح الاقتصادي يتطلب جذب الاستثمارات، بالتزامن مع تأكيده ضرورة خروج القوات الأجنبية من البلاد. كما تحدث عن تفاهمات مع تركيا بشأن انسحاب قواتها من مواقع داخل الأراضي العراقية، وعن حوارات مع الكويت لحل الملفات الثنائية العالقة.
وفي الجانب الاقتصادي، طرح الزيدي جملة من الأهداف، بينها وصول الإنتاج النفطي إلى 10 ملايين برميل يومياً بحلول 2031، وتأسيس صندوق للأجيال برأسمال قدره 1.5 تريليون دينار، وإضافة الأموال المستردة من مكافحة الفساد إليه، فضلاً عن تخصيص 500 مليار دينار شهرياً لتسديد مستحقات الفلاحين، واستكمال مشروع المليون قطعة أرض وبناء مدن جديدة في المحافظات.
لكن الرابط بين هذه الملفات المختلفة يبقى في تصور الحكومة للدولة باعتبارها الإطار الجامع للأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. ومن هذه الزاوية، فإن إعلان تسليم الفصائل أسلحتها يمكن أن يمثل أحد مؤشرات الانتقال من مرحلة تعدد مراكز القوة إلى مرحلة تتولى فيها المؤسسات الرسمية مسؤولية القرار الأمني، إذا ما اكتمل المسار عملياً.
ويختم الزيدي هذا التصور بالتأكيد على توحيد الصفوف وإبعاد العراق عن تداعيات صراعات المنطقة، معتبراً أن قوة البلاد تكمن في أن يكون القرار عراقياً. وبين الإعلان عن ثلاث فصائل سلّمت سلاحها واستمرار الحوار مع فصيلين آخرين، تبدو الحكومة أمام مسار تدريجي ستكون نتائجه مرتبطة بقدرتها على تحويل التفاهمات المعلنة إلى ترتيبات فعلية ومستدامة داخل مؤسسات الدولة.

التعليقات