التخطي إلى المحتوى

الجزائر – أكد رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، أن مساعدة دول الساحل الإفريقي عسكريا واقتصاديا وتنمويا تنطلق من الترابط بين أمن المنطقة والأمن القومي الجزائري، في موقف يعكس توجه الجزائر إلى ترميم حضورها الإقليمي عبر مقاربة تضع الاعتبارات الأمنية في صدارة أولوياتها، وتربط الاستقرار الحدودي بدعم التنمية وتعزيز التعاون مع دول الجوار.

وقال شنقريحة، الذي يشغل أيضا منصب الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، خلال زيارة إلى المنطقة العسكرية الثالثة في بشار جنوب غربي الجزائر، السبت، إن التعاون مع دول المنطقة يقوم على احترام سيادتها واستقلالها، مشددا على ضرورة الجمع بين مكافحة الإرهاب والتطرف من جهة، ودعم التنمية وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للسكان من جهة أخرى.

وكثفت الجزائر خلال الأشهر الأخيرة جهودها لترميم علاقاتها المتصدعة مع الساحل الأفريقي، مستندة إلى مزيج من الدعم العسكري ومشروعات الطاقة والبنية التحتية، في تحرك يرتبط باعتبارات أمنها القومي ومخاوفها من تمدد الجماعات المسلحة عبر حدودها الجنوبية، فضلا عن مساعيها لاستعادة نفوذ إقليمي تأثر بتوتر علاقاتها مع بعض دول المنطقة، في وقت عزز فيه المغرب حضوره الإفريقي عبر مشروعات اقتصادية وتنموية وشراكات استراتيجية.

وتعكس هذه التصريحات توجها جزائريا نحو توسيع أدوات حضور الدولة في الساحل، بعدما أظهرت الاضطرابات السياسية والأمنية في دول الجوار أن التحديات التي تواجهها لا تقتصر على ضبط الحدود، بل تمتد إلى الاستقرار الداخلي وأمن المنشآت الحيوية ومسارات التجارة والطاقة.

وفي هذا الإطار، كثفت الجزائر دعمها العسكري للنيجر خلال الأشهر الأخيرة. ففي 30 أغسطس/آب 2026، أرسلت أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30” إلى نيامي، رافقتها طائرة للتزود بالوقود جوا. وقالت وزارة الدفاع حينها إن المهمة جاءت بطلب من القيادة النيجرية لدعم الجيش، عقب تمرد عسكري.

وسبق ذلك إعلان وزارة الدفاع الجزائرية، في 9 أغسطس/آب، تقديم أربع مروحيات إلى الجيش النيجري، بينها مروحيتان من طراز “مي-24 في” ومروحيتان من طراز “مي-171″، إلى جانب ذخائر وقطع غيار ومعدات للصيانة والدعم اللوجستي. ووصف الرئيس عبدالمجيد تبون، خلال مقابلة بثت في 3 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إرسال المقاتلات بأنه رد على محاولة انقلابية في النيجر.

ولا يقتصر التحرك الجزائري على الجانب العسكري، إذ تبرز الطاقة باعتبارها إحدى أدوات تعزيز العلاقات مع دول الساحل، ففي 3 يونيو/حزيران الماضي، دشنت الجزائر محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 40 ميغاواط في منطقة غوروباندا بالعاصمة النيجرية نيامي، وقدمتها هبة للنيجر.

وقال متحدث باسم شركة “سونلغاز” الجزائرية إن المحطة توفر الطاقة لأكثر من مليون شخص، فيما شمل المشروع تدريب ثمانية عاملين من شركة الكهرباء النيجرية على تشغيل التوربينات وصيانتها، بما يعزز قدرات التشغيل والصيانة المحلية واستدامة الاستفادة من المنشأة.

وفي ما يتعلق بمالي، أعلن تبون استعداد الجزائر لمساعدتها في مكافحة الجماعات المسلحة، مشيرا إلى الروابط البشرية والقبلية بين سكان البلدين على امتداد الحدود المشتركة. ويعكس ذلك اعتماد الجزائر على اعتبارات اجتماعية وجغرافية إلى جانب التعاون الأمني الرسمي، في محاولة للحفاظ على قنوات التواصل مع دول المنطقة.

ويأتي التحرك الجزائري في ظل منافسة إقليمية متصاعدة مع المغرب على توسيع الشراكات والنفوذ في الساحل، حيث عززت الرباط علاقاتها مع دول المنطقة عبر التعاون التجاري والتعليمي ومشروعات البنية التحتية، فضلا عن توظيف الروابط الدينية ومؤسسات التكوين الديني لنشر الأمن الروحي.

وشكلت المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لتسهيل وصول دول الساحل غير المطلة على البحر إلى المحيط الأطلسي إحدى أبرز أدوات تحركه الإقليمي، إذ طُرحت باعتبارها فرصة لتنويع منافذ التجارة وتوسيع فرص التنمية والاندماج الاقتصادي. ويضع هذا المسار الجزائر أمام تحدي تطوير مقاربة تجمع بين التعاون الأمني والمشروعات التنموية، بما يتيح لها تعزيز حضورها في منطقة تتزايد أهميتها الاستراتيجية.

ويرى محللون أن التحدي أمام الجزائر لا يقتصر على تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية، بل يمتد إلى تحويلها إلى شراكات طويلة الأمد تضمن مصالح الأطراف المعنية. ففي منطقة تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع التنافس على طرق التجارة والطاقة وممرات الوصول إلى الأسواق الدولية، باتت قدرة الجزائر على الجمع بين الأمن والتنمية عاملا أساسيا في مساعيها لاستعادة نفوذها الإقليمي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *