التخطي إلى المحتوى

يمثل الهجوم الأخير الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية الرياض وأسفر عن سقوط ضحايا مدنيين (12 قتيلاً ومئات الجرحى) تحولاً نوعياً خطيراً في مسار المواجهة، التي تقترب من حرب إنهاك واستنزاف دون حسم الصراع لصالح أي طرف.

الضربة الحوثية نقلت المعركة مباشرة إلى العمق الحيوي للمملكة العربية السعودية، بل وتجاوز الهجوم قواعد الاشتباك السابقة ليمس البنى التحتية المدنية والاقتصادية الحساسة في قلب العاصمة، مما يدفع الرياض نحو خيارات عسكرية أكثر حزماً لردع هذا التهديد.

كما يمثل الهجوم ضربة قوية لجهود السلام ووقف إطلاق النار، ويعيد الأزمة اليمنية إلى مربع التصعيد الشامل والعمليات الهجومية المتبادلة.

هذا الحادث فرض حالة من الاستنفار الأمني والدفاعي غير المسبوق في المنظومة الاستراتيجية الخليجية، مع تعليق مؤقت للعمليات التشغيلية في المطار وتأثر حركة الملاحة الإقليمية والدولية، وهو ما ينبئ بإعادة تقييم الأولويات الأمنية وجدوى المنظومات الدفاعية وحجم الخروقات التي أدت إلى تجاوز كل طبقات الدفاع الجوي والوصول إلى هدف استراتيجي مدني بحجم مطار الملك خالد والتسبب في أضرار بالغة.

ويضع هذا الهجوم الدموي الإدارة الأمريكية أمام اختبار حقيقي والتزام أخلاقي وأمني تجاه حلفائها في الخليج. تشير المؤشرات والتصريحات الأولية (مثل تلويح ترامب باتخاذ قرارات سريعة بشأن الرد والانضمام لضرب الحوثيين) إلى احتمالية تجاوز الدعم التقليدي إلى مشاركة عسكرية نوعية مباشرة أو توجيه ضربات انتقامية مشتركة لتحجيم القدرات الصاروخية للحوثيين.

حتى وإن كان هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً في ظل الأزمة مع إيران وعدم رغبة البيت الأبيض في فتح جبهات قتال جديدة تزامناً مع التقارير التي تشير إلى تراجع مخزون الصواريخ الباليستية ومنظومات الباتريوت لدى وزارة الدفاع الأمريكية، فإن الحد الأدنى المضمون هو رفع مستوى التنسيق الاستخباراتي الفوري، ومشاركة بيانات الأقمار الصناعية، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي السعودي بمنظومات اعتراضية متطورة وسد الثغرات الرادارية.

في كل الأحوال، يبقى الانخراط العسكري الأميركي المباشر بقوات برية أو حملات جوية واسعة أمراً غير مقبول مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس.

لكن في المقابل، هناك حلف مكة الذي لم يتجاوز دوره سوى التضامن الدبلوماسي والسياسي، وربما هناك بعض التنسيق العملياتي، وهو أقل بكثير مما هو منتظر منه. لا شك سيسعى شركاء الحلف إلى إصدار مواقف إقليمية صارمة تدين الاستهداف السافر للبنى التحتية المدنية، وتعتبر الأمن القومي السعودي جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي والخليجي.

إلا أن الدعم اللوجستي والعسكري المشترك ما زال غائباً إلى حد كبير عن المشهد. وقد يتشكل مستقبلاً تنسيق عملياتي أوسع بين الدول الأعضاء لتعزيز حماية الأجواء، وتبادل الخبرات في مجال مكافحة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.

ما يجب أن تدركه الرياض، أن معركتها مع الحوثيين هي عملية استنزاف متعمدة بدعم من أطراف إقليمية، لذا فهناك حاجة ملحة وضرورية لتفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي الإقليمي والدولي لعزل الحوثيين ومحاصرة شبكات الإمداد والتمويل الإيرانية المرتبطة بهم، وتوفير غطاء سياسي واسع لأي رد عسكري سعودي مرتقب.

فمواجهة تنظيم أو فصيل عقائدي مسلّح لا يمتلك بنى تحتية أو أصول اقتصادية كلاسيكية يمكنه خسارتها يضع الرياض أمام معادلة بالغة التعقيد تكون فيها كلفة الاستمرار العسكري البحت باهظة وتؤدي تدريجياً إلى استنزاف الأصول دون حسم حقيقي.

وما تتميز به الجماعة الحوثية هو غياب الأهداف الحيوية والاستراتيجية التي يمكن أن تسبب لها انهياراً أو انتكاسة داخلية. تنبع صعوبة ردع الحوثيين من أن قدرتهم على مواصلة القتال لا ترتبط حصراً بسلامة المنشآت الاقتصادية والعسكرية الثابتة؛ إذ تسمح طبيعة التنظيم اللامركزي نسبياً، والاعتماد على وسائل قتالية أقل كلفة، باستمرار التهديد حتى بعد تعرض بنيته التحتية لأضرار.

والعكس بالنسبة للرياض، فاستمرار الهجمات الصاروخية والمسيرات الحوثية على مطارات ومدن حيوية يفرض ضغوطاً هائلة على متخذ القرار السعودي، لأن تكلفة الدفاع باهظة جداً ودائمة، بينما تكلفة الهجوم بالنسبة للطرف الآخر منخفضة للغاية، مما يجعل الإبقاء على حالة “لا سلم ولا حرب” استنزافاً مستمراً للصورة الإقليمية للمملكة العربية السعودية. وتصبح المعادلة: استنزاف الهيبة مقابل اختلال حاد في كلفة الهجوم والدفاع.

والسؤال الآن متى تكون المفاوضات ضرورة حتمية وليست خياراً؟ المؤكد أن العمل السياسي والاستراتيجي يدرك تماماً أن النزاعات غير المتكافئة مع حركات التمرد والمليشيات العابرة للدول لا تنتهي بانتصارات عسكرية مطلقة على الأرض، بل تُحسم عبر تسويات سياسية وهندسة أمنية إقليمية تجفف مصادر التمويل والإمداد وتعيد دمج الخصوم أو تحيد خطرهم.

والطريق الآمن للخروج من دائرة الاستنزاف يطلب أن تدفع هذه المعطيات الرياض نحو تفضيل المسارات الدبلوماسية والحلول التفاوضية، لكن الشرط الأساسي لأي تفاوض ناجح ومنتج هو تغيير موازين القوة على الأرض ورفع سقف الردع بما يجبر الطرف الآخر على الجدية في التسوية، لأن التفاوض تحت النار ومن موقع الضعف لا ينتج إلا تنازلات تزيد من تقويض قوة الدولة.

المخطط غير المعلن يشير إلى أن هناك أطرافاً إقليمية تسعى إلى إحراج المملكة وإظهارها وكأنها لا تمتلك القدرة على تأمين أصولها الاستراتيجية أمام هجمات لجماعات مسلحة لا تمتلك من القوة العسكرية سوى بعض المسيرات والصواريخ الباليستية البدائية.

إذن، المعادلة القائمة اليوم تضع السعودية أمام خيار مزدوج لا بديل عنه: ردع عسكري كافٍ ومؤلم لكسر غرور التصعيد وإعادة فرض نظرية الردع، يتبعه فوراً مسار تفاوضي صارم تقوده الدبلوماسية الإقليمية والدولية للوصول إلى تسوية نهائية تحيد الخطر، لأن الاكتفاء بأحدهما بمعزل عن الآخر يعني إما استمرار استنزاف الهيبة أو الدخول في حروب عبثية بلا أفق.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *