جودة الأرباح أو الفاصل بين الثرى والثريا في سوق الأسهم
تُعد جودة الأرباح المحور الأساسي الذي يفرق بين النمو المستدام للشركات وبين التضخم “الوهمي” أو “العابر”؛ حيث كثيراً ما أظهرت القوائم المالية لشركات مدرجة نمواً متسارعاً في الإيرادات، بينما تعاني التدفقات النقدية التشغيلية من تراجع أو ثبات.
وتعتمد إدارة أرباح الشركات التي تلجأ للتلاعب المحاسبي غالباً على التوسع المفرط في التسهيلات الائتمانية لتسجيل مبيعات آجلة غير قابلة للتحصيل، من أجل جعل الأرقام الدفترية تبدو “مبهرة” للمستثمرين في سوق الأسهم.

طفرة وهمية
والأزمة هنا أن الحساب المدين يمثل الالتزام المالي المستحق للشركة لدى عملائها مقابل بضائع أو خدمات تم تسليمها بالفعل وفق مبدأ الاستحقاق.
وهنا تبرز أهمية مؤشر «أيام المبيعات المعلقة» الذي يُحسب لمعرفة متوسط الفترة الزمنية التي تستغرقها الشركة لتحصيل ديونها بعد عملية البيع.
وعندما يرتفع مؤشر أيام المبيعات المعلقة بمعدل أسرع بكثير من نمو الإيرادات، فإن ذلك يعكس خيار الإدارة بتبني سياسات ائتلافية متساهلة جداً، وغالباً ما تهدف هذه السياسات لمنح الموزعين بضائع إضافية لم يطلبوها، بغرض تسجيل إيرادات سريعة قبل إغلاق الفترة المالية.
وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في تجربة شركة “صن بيم كوربوريشن” الأمريكية (Sunbeam Corporation) عام 1997، حينما أعلنت الشركة عن طفرة قياسية في أرباح وإيرادات عام 1997 لإنقاذ أسهمها في السوق.
لكن تحليل جدول المبيعات أظهر أن الذمم المدينة ارتفعت بمعدل تجاوز 290% مقارنة بنمو الإيرادات، إذ قامت الشركة بشحن أجهزة شواء زجاجية وسخانات للموزعين في فصل الشتاء قبل موسم الطلب الفعلي، مع منحهم حق السداد بعد فترة طويلة أو إعادة البضائع.
وأعادت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تصنيف هذه العمليات كمبيعات صورية، وأدى عجز الموزعين عن السداد وارتفاع المرتجعات إلى انهيار الشركة وإعادة صياغة القوائم المالية وإشهار إفلاسها رسمياً عام 2001.
مؤشر بنيش
يُعتبر نموذج بنيش (Beneish M-Score) أحد أشهر الأدوات الرياضية المحاسبية التي طورها البروفيسور “دانيال بنيش” للتمكّن من تقييم احتمالية قيام الشركات بتضخيم أرباحها الدفترية.
ويعتمد هذا النموذج على معادلة تجمع بين ثمانية مؤشرات مالية مشتقة مباشرة من القوائم المالية، ويُعد مؤشر جودة الأصول والذمم أحد أهم هذه المتغيرات، حيث يرصد مدى التناسب بين حركة المبيعات وحركة الحسابات الآجلة.

وفي نموذج بنيش، يتم قياس نسبة التغير في أيام المبيعات المعلقة بين عامين متتاليين؛ أي أنه يقيس ما إذا كانت الفترة الزمنية اللازمة لتحصيل ديون الشركة من العملاء تتزايد مقارنة بالعام السابق أم لا.
إذا كانت قيمة المؤشر تقارب الواحد الصحيح، فهذا يعني أن الذمم تنمو بنفس معدل نمو الإيرادات وهو وضع طبيعي، أما إذا تجاوزت القيمة المقاييس الحرجة للنموذج (تجاوزت 1.0 بشكل ملحوظ)، فهذا يشير فوراً إلى وجود زيادة غير متناسبة في الديون مقارنة بالنشاط الفعلي، حتى إن البعض يشبهها ببناء “قصور لكنها من قمامة”.
فإذا افترضنا أن شركة سجلت في العام الأول مبيعات بقيمة 100 مليون ريال وكان متوسط الذمم 20 مليون ريال، فتكون فترة التحصيل تساوي 73 يوماً.
وفي العام الثاني، أعلنت الشركة عن ارتفاع المبيعات إلى 120 مليون ريال (بنسبة نمو 20%)، لكن الذمم القائمة قفزت إلى 48 مليون ريال، لتصبح فترة التحصيل 146 يوماً. وإذا قسمنا (146 يوماً ÷ 73 يوماً) لحساب التغير في المبيعات المعلقة بين العامين تظهر النتيجة 2.0؛ وهو رقم يوضح أن فترة التحصيل تضاعفت دون وجود مبرر.
وهذه القفزة في قيمة المؤشر تعكس قيام الشركة إما بالاعتراف المبكر بمبيعات لم تتحقق بعد، أو بمنح تسهيلات لعملاء غير قادرين على السداد فقط لتجميل الدفاتر.
وتجسد شركة “لوسينت تكنولوجيز” (Lucent Technologies) الأمريكية هذه الحالة في عام 2000، عندما خاضت منافسة صعبة للحفاظ على تقييمات السوق المرتفعة مع تباطؤ القطاع.
وأظهر إيضاح الذمم قفزة هائلة في الحسابات الآجلة نتيجة تقديم تمويلات ائتمانية مشكوك في سلامتها لشركات ناشئة وموزعين، كما أظهر تعثر المبيعات المعلقة تزايداً كبيراً لأكثر من 180 يوماً دون تجنيب المخصصات المقابلة (في حال عدم التحصيل).
وفي نهاية المطاف، اضطرت الشركة لشطب إيرادات بلغت 679 مليون دولار دفعة واحدة وتجنيب مخصصات ديون معدومة ضخمة، مما أدى إلى خفض أرباحها بشكل حاد وهبوط سهمها بنسبة تجاوزت 80%.

المبيعات “المفتعلة” للحلفاء
وعندما تعجز الشركة عن إقناع العملاء بالشراء الآجل، تتجه الإدارة أحياناً للتعامل مع كيانات حليفة أو موزعين تابعين لتُسجل المبيعات كمستحقات على هذه الشركات لمنح انطباع بنمو النشاط التجاري.
وتتجنب الإدارة التحصيل أو الإفصاح عن المخاطر الحقيقية بجدول الأعمار بحجة وجود تفاهمات خاصة بين الأطراف.
ويمثل عملاق الألبان والأغذية الإيطالي “بارمالات” نموذجاً صارخاً لهذه الممارسة في عام 2003، والتي عرفت لاحقاً بـ “أنرون أوروبا”، حيث كشف الفحص الدقيق للإيضاحات وجود ذمم مدينة متراكمة بمليارات اليوروهات مستحقة على شركات مسجلة في ملاذات ضريبية وتدار بواسطة أطراف ذات علاقة بالإدارة.
وكانت هذه الذمم تُرحّل سنوياً وتظهر في الميزانيات كديون قائمة دون إعدامها، بما يسمح بالإبقاء على الأرباح الدفترية عالية دون التأثر بزيف هذه المبيعات والإيرادات القائمة دفترياً فقط.
وتبين لاحقاً أن هذه الذمم والبيع الآجل كانا مجرد وسيلة لتغطية فجوة تمويلية وضخ أرقام إيرادات غير موجودة بالأساس، مما أدى لإعادة هيكلة المجمع الصناعي بالكامل باكتشاف فجوة مالية بلغت قيمتها 14 مليار يورو واستتبع ذلك إفلاس الشركة.
الاعتراف المسبق بالإيرادات
والشاهد أن بعض أساليب المحاسبة تُستخدم لكي تتناغم مع جدول أعمار الذمم المؤجلة عبر الاعتراف المسبق ببرامج الصيانة والخدمات الآجلة قبل الوفاء بها، لتظهر الشكليات المحاسبية وكأنها نمو طبيعي في رأس المال العامل.
وتوضح تجربة شركة “زيروكس” الأمريكية في عام 2000 خطورة الاعتراف المسبق بآليات البيع الآجل وعقود التأجير طويلة الأجل للآلات والمعدات، حيث عمدت الشركة إلى تغيير السياسات المحاسبية عبر الاعتراف الفوري بكامل القيمة الحالية لعقود الصيانة والتأجير الآجلة بدلاً من توزيعها على فترة العقد الممتدة لعدة سنوات، مع إدراج المبالغ ضمن الذمم المدينة الجارية.
تسبب هذا الإجراء في تضخم الذمم المدينة وإخفاء حقيقة أن عملاء الشركة يتعثرون في سداد الأقساط الدورية. وأسفرت تحقيقات الهيئات الرقابية عن إعادة صياغة القوائم المالية وإلغاء أرباح دفترية متراكمة بمليارات الدولارات وسداد غرامات تسوية ضخمة.
وفي قطاعات العقود طويلة الأجل كالمقاولات، تظهر الذمم المدينة في صورة “أصول عقود” أو “إيرادات غير مفوترة”.
ويكمن الخطر عندما تسجل الشركة إيرادات بناءً على نسبة الإنجاز المخططة دون الحصول على موافقات كتابية من العملاء على هذه المراحل، حيث تظل هذه المبالغ في خانة الذمم لفترات طويلة وتُعامل كديون غير مستحقة شكلياً بينما هي مبالغ متنازع عليها.
وظهر هذا الأمر بوضوح في شركة المقاولات والبنية التحتية البريطانية “كاريليون” قبل سقوطها في عام 2018، إذ اعتمدت الشركة على معالجات محاسبية للاعتراف بالإيرادات المبكرة عبر حسابات الأرباح غير المفوترة.

وأظهر تحليل الذمم تأخر استلام المبالغ لسنوات في بعض الحالات دون تجنيب مخصصات هبوط كافية، ولاسيما أن غالبية هذه العقود كانت كبيرة ومؤثرة في الإيرادات، وبالتالي في ربحية الشركة.
وأدى التراكم الضخم للذمم غير القابلة للتحصيل واتساع الفجوة بين الأرباح الدفترية والتدفقات النقدية إلى انهيار الشركة وتصفيتها بديون تجاوزت 7 مليارات جنيه إسترليني.
كيف تستكشف هشاشة البناء مبكراً؟
إن التمييز بين القصر المكتمل الأركان وذاك المشيد على ركام القمامة لا يتطلب سوى تفكيك الغلاف الدفتري براق الشكل؛ فالأرقام المجردة في قائمة الدخل كثيراً ما تحجب وراءها هشاشة الميزانية وسوء جودة النشاط التشغيلي.
ولحماية استثماراتك من الشواهد المزيفة والأرباح الورقية، تتلخص خطوات الفحص المبكر في الآتي:
1- القياس المقارن لوتيرة النمو: تبدأ عملية الفحص بمقارنة نسبة التغير في الذمم المدينة بنسبة التغير في الإيرادات المجمعة على مدار فترات مالية متتالية؛ فإذا كانت المستحقات تتضاعف بينما المبيعات تنمو بشكل ضعيف، فهذا مدعاة للشك.
2- عند وجود مثل هذا التباين، يتجه التحليل فوراً لجدول أعمار الذمم المرفق بالإيضاحات المتممة، للتحقق من نسبة الديون العالقة في الشرائح الممتدة (أكثر من 90 أو 180 يوماً)، ومطابقتها بمعدل نمو مخصص الخسائر الائتمانية المتوقعة.
وفي النهاية تظل مطابقة الأرباح الدفترية المدونة بقائمة الدخل مع التدفقات النقدية التشغيلية الفعلية بقائمة التدفقات النقدية هي المصفاة الحاسمة والفاصل الأخير بين الحقيقة والسراب؛ فالنقدية السائلة الداخلة للخزينة هي الوثيقة الوحيدة التي لا تكذب ولا تجامل.
المصادر: أرقام- بلومبرغ- فانينانشيال تايمز- ياهو فاينانس- ماكروتريدز- فوربس- سي.إن.بي.سي
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات