التخطي إلى المحتوى

في الاقتصاد، لا تبدأ الأزمات الكبرى دائماً من رقم كبير، بل أحياناً من لحظة يتوقف فيها الناس عن معرفة ماذا سيكون سعر الغد.

هذا ما حدث في العراق خلال اليومين الماضيين. قرار تعديل سعر صرف الدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً لم يبقَ داخل جداول وزارة المالية والبنك المركزي، بل انتقل سريعاً إلى الأسواق، ومن السوق إلى التاجر، ومن التاجر إلى المواطن.

وفي قلب بغداد، بدت الشورجة واحدة من أكثر الأماكن التي عكست حجم الارتباك؛ إذ توقف تجار عن البيع، وأغلقت بعض المحال والمخازن أبوابها مؤقتاً، بانتظار أن تستقر أسعار الصرف ويصبح بالإمكان إعادة تسعير البضائع.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فالسوق لا يستطيع العمل طويلاً عندما يفقد القدرة على تسعير السلعة. التاجر الذي اشترى بضاعته بالدولار لا يعرف بأي سعر سيستبدل مخزونه، والمستورد لا يعرف كلفة الشحنة المقبلة، وتاجر الجملة لا يستطيع تحديد سعر البيع، والمواطن نفسه يبدأ بتأجيل الشراء خوفاً من أن يدفع اليوم سعراً أعلى ثم يكتشف غداً أن السوق انخفض.

 بهذا المعنى، فإن الركود الذي ظهر في بعض الأسواق خلال اليومين الماضيين ليس بالضرورة ركوداً اقتصادياً مكتمل الأركان بعد، لكنه إشارة مبكرة إلى شلل مؤقت في حركة التجارة سببه عدم اليقين. وقد أفادت تقارير عن توقف عمليات البيع في الشورجة، فيما فضّل تجار آخرون الاحتفاظ بمخزوناتهم حتى تتضح اتجاهات السوق.

المشهد مهم لأنه يكشف أن أزمة الدولار لا تتعلق بسعر العملة وحده.

يقف العراق اليوم أمام معادلة مالية صعبة: إيراداته النفطية تراجعت بفعل اضطراب صادرات النفط، فيما بقيت النفقات الحكومية، وفي مقدمتها الرواتب، التزامات لا يمكن تأجيلها بسهولة. وبحسب رويترز، رفعت الحكومة سعر الصرف الرسمي إلى 1520 ديناراً للدولار، في خطوة تمنح الدولة دنانير أكثر مقابل إيراداتها النفطية بالدولار، لكنها تجعل الاستيراد أكثر كلفة وتضغط على القوة الشرائية للأسر. كما أن مسودة موازنة 2027 تتضمن عجزاً يتجاوز 40 تريليون دينار.

من هنا يمكن فهم الخيارات الثلاثة التي تحدث عنها رئيس الوزراء علي الزيدي أمام مجلس النواب: الادخار الإجباري، أو دفع الرواتب كل 45 يوماً، أو الاقتراض.

كل خيار منها يحمل كلفة مختلفة، لكن الأخطر هو التعامل معها وكأنها حلول مستقلة عن حركة الاقتصاد.

الادخار الإجباري قد يوفر للحكومة سيولة، لكنه يسحب جزءاً من القوة الشرائية من الموظف.

وهذا يعني أن ما توفره الخزينة يمكن أن تخسره الأسواق، فالموظف الذي يقل إنفاقه يعني مبيعات أقل للتاجر، ودوراناً أقل للنقود، وربما إيرادات أقل للقطاع الخاص.

أما دفع الراتب كل 45 يوماً، فهو يؤجل السيولة ولا يلغي الالتزام. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي، فإن تأخير الراتب لا يصيب الموظف وحده؛ بل يمتد أثره إلى صاحب المتجر، وسائق سيارة الأجرة، والمطعم، والصيدلية، وسوق العقارات والخدمات.

الاقتراض، من جهة أخرى، يمنح الدولة مساحة للتنفس، لكنه ينقل جزءاً من الأزمة إلى المستقبل. وإذا استخدم الاقتراض لتمويل مشاريع منتجة يمكن أن تخلق إيرادات وفرص عمل، فإن الاقتصاد يحصل على أصل مقابل الدين. أما إذا ذهب الاقتراض بصورة أساسية إلى تمويل نفقات تشغيلية متكررة، فإن المشكلة ستعود كل عام بحجم أكبر.

وهنا تكمن أهمية اللحظة الحالية، فالمواطن الذي يذهب إلى السوق ولا يعرف هل سيبقى سعر السلعة ثابتاً حتى نهاية الأسبوع، يبدأ تلقائياً في تغيير سلوكه. بعض الناس يسرعون إلى شراء ما يحتاجونه خوفاً من ارتفاع جديد، وبعضهم يؤجل الشراء لأن دخله لم يتغير، بينما يفضل التاجر عدم البيع لأنه يخشى أن يبيع مخزونه اليوم ثم لا يستطيع شراء البديل غداً بالسعر نفسه.

وهكذا يمكن أن يتحول التضخم والركود إلى ظاهرة واحدة: أسعار أعلى، ومبيعات أقل.

وهذه من أصعب الحالات التي يمكن أن تواجه أي اقتصاد، لأن ارتفاع الأسعار يضغط على المستهلك، بينما ضعف المبيعات يضغط على المنتج والتاجر. وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية، بالتزامن مع توقف تجار عن البيع بانتظار اتضاح السوق.

لهذا السبب، فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: كيف تمول الحكومة الرواتب؟ السؤال الأوسع هو: كيف تحافظ الدولة على دورة الاقتصاد؟ فالرواتب ليست مجرد نفقات حكومية، والدولار ليس مجرد سعر في سوق الصرافة، والشورجة ليست مجرد سوق تجارية. هذه حلقات مترابطة في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق الحكومي والاستيراد.

وإذا كانت الحكومة قد لجأت إلى تغيير سعر الصرف لتوفير مساحة مالية إضافية، فإن نجاح هذه الخطوة سيبقى مرتبطاً بما يحدث بعد القرار: هل تستقر السوق الموازية؟ هل تعود حركة الشورجة؟ هل يستطيع المستورد الحصول على الدولار بسعر واضح؟ وهل يتمكن المواطن من الحفاظ على جزء معقول من قدرته الشرائية؟

هذه الأسئلة أهم من الرقم الرسمي نفسه. والحل الاقتصادي لا يعني بالضرورة اختيار أحد الخيارات الثلاثة وإلغاء الآخرين. يمكن أن تكون هناك إدارة مؤقتة للإنفاق، واقتراض محدود ومدروس، وزيادة للإيرادات غير النفطية، ومراجعة للنفقات غير الضرورية، بالتوازي مع حماية الرواتب والسلع الأساسية. كما يمكن استخدام الأدوات النقدية والمالية لمنع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.

لكن الأهم برأيي هو ألا تتحول الصدمة إلى حلقة مغلقة: دولار أعلى، أسعار أعلى، استهلاك أقل، مبيعات أقل، إنتاج أضعف، إيرادات أقل، ثم حاجة أكبر إلى الاقتراض.

ذلك هو السيناريو الذي ينبغي تجنبه. العراق يمتلك مورداً نفطياً ضخماً، لكنه يظل شديد الحساسية لتقلبات هذا المورد. وكلما تأخرت عملية تنويع الإيرادات والإنتاج، بقيت الموازنة معرضة للعودة إلى السؤال نفسه عند كل صدمة نفطية: من سيدفع ثمن العجز؟

والمواطن بدأ يشعر بهذا السؤال في السوق قبل أن تصله الإجابة من الموازنة. في الشورجة، حيث توقفت حركة البيع مؤقتاً عند بعض التجار، وفي البيوت التي بدأ أصحابها يحسبون قيمة رواتبهم أمام الدولار، تظهر الصورة الأكثر وضوحاً للأزمة: الاقتصاد لا يعيش بالأرقام الحكومية وحدها، بل بالثقة التي تجعل الناس يشترون ويبيعون ويستثمرون.

لذلك فإن التحدي أمام حكومة الزيدي ليس فقط اختيار وسيلة لتمويل الرواتب، بل منع الأزمة المالية من التحول إلى أزمة ثقة، ومنع أزمة الثقة من التحول إلى ركود، ومنع الركود من التحول إلى أزمة اجتماعية أوسع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *