يُمثل فيلم “الأوديسة” (The Odyssey) للمخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان واحدة من أكثر التجارب السينمائية طموحاً وإثارة للجدل في العقد الأخير، فبدلاً من تقديم اقتباس حرفي كلاسيكي لملحمة الشاعر الإغريقي هوميروس اختار نولان تفكيك النص القديم وإعادة بنائه كدراسة مأساوية سوداوية حول العزلة، والذنب، وتبعات الحرب، وما يدفعه الإنسان من روحه ثمنٍ لانتصاراته. وقد ساعده في صياغة هذا العالم السينمائي الضخم فريق تقني وفني استثنائي، حيث تولى نولان بنفسه كتابة السيناريو وإخراجه، بينما تولت شريكته إيما توماس الإنتاج عبر شركتهم “سينكوبي” بالتعاون مع استوديوهات يونيفرسال بيكتشرز، بميزانية إنتاجية هائلة بلغت 250 مليون دولار.
العودة الملعونة
تنطلق أحداث الفيلم بشكل مغاير للبناء التقليدي؛ حيث يبدأ من قاعة ولائم في بلاط “الفايقيين” حيث يجلس رجل غامض يؤدي دوره الموسيقي ترافيس سكوت ليروي قصة “حصان طروادة”. ومن هنا تتشابك خيوط السرد لنتتبع رحلة أوديسيوس، ملك إيثاكا الذي يجسده النجم مات ديمون ببراعة هائلة، كقائد حاد وذكي ومثقل بعقدة الذنب والغرور الإنساني، يحاول العودة إلى دياره بعد عشر سنوات من القتال في حرب طروادة فتتحول رحلة العودة التي كان يُفترض أن تكون قصيرة إلى مسيرة شاقة تمتد لعشر سنوات أخرى بسبب غضب آلهة البحر ومواجهة الكائنات الخرافية والاختبارات النفسية؛ مثل مواجهة العملاق ذي العين الواحدة بوليفيموس، والوقوع تحت تأثير الساحرة سيرسي التي تجسدها تشارليز ثيرون كرمز لاختبار الطبيعة الحيوانية والشهوانية لرجال أوديسيوس، أو الاحتجاز لدى الحورية كاليبسو التي تؤدي دورها النجمة زندايا كشخصية غامضة تساوم البطل على الخلود مقابل نسيان وطنه، في هذه الأثناء، في جزيرة “إيثاكا”، تعيش زوجته المخلصة بينيلوبي، التي تؤدي دورها آن هاثاواي كرمز للصمود الذكي والسياسة الحادة، ومعها ابنها الشاب تيليماخوس الذي يجسده توم هولاند كشاب يبحث عن هوية والده ويحاول حماية إرثه، معاناة موازية ضد “الخاطبين” الطامعين في العرش وعلى رأسهم أنتينوس الذي يلعبه روبرت باتينسون بمكر شديد. كما تظهر النجمة لوبيتا نيونغو في دور هيلين طروادة، وهو الاختيار الذي أثار جدلاً أكاديمياً واسعاً لتجسيدها شخصية وُصفت تاريخياً بـ”بيضاء الذراعين” بينما هي سوداء في الفيلم ليعيد نولان صياغتها كرمز كوني للحرب يتجاوز العرق.
سيناريو متسارع يؤنسن الأسطورة
تكمن عبقرية – ومكمن الجدل حول – سيناريو نولان في رغبته الجامحة في أنسنة الأسطورة وتحويلها إلى دراما واقعية ونفسية. نولان يرفض بوضوح البناء التطهيري للأبطال الإغريق؛ فأوديسيوس هنا ليس بطلاً مغواراً، بل هو قائد تنهكه عقدة الذنب، ويعاقب على غروره وعجرفته بعد نصره في طروادة، ومن أبرز نقاط القوة في البناء الدرامي إعادة صياغة الإطار الأخلاقي للنص القديم؛ فقد قام نولان بتعديل بعض الجوانب القاسية من ملحمة هوميروس لتتناسب مع الوعي المعاصر؛ فمثلاً تخلى عن مشهد الإعدام المروع لنساء إيثاكا المستعبدات في نهاية النص الأصلي، وجعل بينيلوبي هي من تدفع الخائنة “ميلانثو” إلى حتفها وسط المعركة، مما منح النساء فاعلية أكبر وعمقاً نفسياً يتجاوز النص الهوميري، كذلك تحولت المخلوقات الخرافية والساحرات من مجرد “وحوش” في فيلم مغامرات إلى عقبات نفسية؛ فالإقامة مع كاليبسو تحولت إلى تأمل في مفهوم الزمن والخلود، وأغنية السيرينات أصبحت مواجهة مع الوعود الفاشلة والندم، في المقابل تمثلت أبرز مآخذ السيناريو في مشكلة الحشو والتسارع الختامي؛ إذ عاب بعض النقاد على النص محاولته اختصار ملحمة ممتدة في فيلم مدته أقل من ثلاث ساعات بقليل، فبينما اتسمت الساعتان الأوليان بالبطء والتركيز على البناء النفسي، شهدت النصف ساعة الأخيرة حشواً مكثفاً للأحداث وتخطياً زمنياً سريعاً أخلّ بالتوازن الدرامي لرحلة استغرقت سنوات في الأصل الأدبي.
سينماتوغرافيا بديعة وصوت واقعي
يأخذنا أسلوب الإخراج في هذا الفيلم إلى ذروة مدرسة كريستوفر نولان السينمائية القائمة على العداء الصريح للمؤثرات الرقمية (CGI) فقد أصر نولان على الاعتماد الكامل على المؤثرات العملية والتصوير في المواقع الطبيعية القاسية؛ حيث سافر بفريقه إلى آيسلندا لتجسيد عالم الأموات الزمهريري الخالي من الحياة، واستغل شواطئ المغرب ومالطا واليونان لبناء جزر الأسطورة، مما منح الفيلم ملمساً واقعياً خشناً تشعر معه بملوحة البحر وحرارة الشمس وغبار المعارك، أما على صعيد السينماتوغرافي، فقد حقق نولان ومدير تصويره المفضل هويت فان هويتيما إنجازاً تاريخياً غير مسبوق، كونه أول عمل روائي طويل في تاريخ السينما يتم تصويره بالكامل بكاميرات IMAX 70mm هذا الخيار التقني لم يكن مجرد استعراض بصري، بل تحول إلى أداة سردية وجودية؛ فالكادرات واسعة بشكل مفرط وممتدة إلى اللانهاية، تضع جسد أوديسيوس الضئيل وسفينته المتهالكة في مواجهة مباشرة مع بحر هائل لا يرحم وسماء شاسعة تمثل عين الآلهة المراقبة. هذه الجمالية البصرية تخلع عن البطل مركزية الكون، وتبرز ضآلة الإنسان أمام قوى الطبيعة والقدر، وقد استخدم فان هويتيما الإضاءة الطبيعية القاسية وظلال المغاور لتعميق الإحساس بالعزلة والضياع النفسي، مما جعل الشاشة الكبيرة جزءاً لا يتجزأ من السرد التجريبي للفيلم، يتكامل هذا الإبهار البصري مع البيئة الصوتية والموسيقية المعقدة التي صاغها الموسيقار الفائز بالأوسكار لودفيغ غورانسون، بالتعاون مع ترافيس سكوت وجيمس بليك حيث لم تكن الموسيقى هنا مجرد خلفية ميلودرامية لتوجيه عواطف المشاهد، بل صُممت كمحرك أساسي للقلق والاضطراب النفسي حيث اعتمد غورانسون على إيقاعات طبول بدائية ثقيلة ممتزجة بأصوات ميكانيكية متداخلة وموجات صوتية تحت حمراء تحاكي صوت ارتطام الأمواج العنيفة وضغط الأعماق واضطراب عقل البطل التائه وبالرغم من عبقرية هذا التصميم، إلا أن بعض الجماهير والنقاد اشتكوا من المبالغة في هندسة الصوت في قاعات العرض، لدرجة تصل إلى التشويش على الحوار في لحظات المواجهات الكبرى، ولعل أبرز تجليات الرؤية الإخراجية لنولان تكمن في استخدامه المتعمد للمفارقات التاريخية؛ فقد أثار دهشة المؤرخين بإدخال عناصر بصرية ولغوية من حقب متباينة، كاستخدام سفن بتصميم يشبه سفن الفايكنغ الطويلة، وخوذات كورنثية لا تنتمي لعصر طروادة البرونزي، فضلاً عن جعل الممثلين يتحدثون بلكنات أمريكية عامية حديثة، لم يكن هذا سقطة تاريخية، بل رؤية إخراجية واعية؛ فنولان لا يصنع وثائقياً تاريخياً، بل يقدم مأساة معاصرة تعكس تفكك الوعي الإنساني الحديث، مستخدماً الأسطورة الإغريقية كقناع كوني عابر للزمن.
نولان يختصر ماهيته في فيلم
ختاما يمكننا القول أن فيلم “الأوديسة” هو حصان طروادة سينمائي ضخم اختزل فيه نولان هواجسه الفلسفية المعتادة حول “الزمن، الهوية، والوطن” فنجح الفيلم بشكل باهر كأعجوبة بصرية وتقنية تُعيد للسينما هيبتها كحدث بصري غامر يستحق التأمل، لكنه على الصعيد الدرامي ضحى ببعض “الجاذبية الساحرة” والعمق الشعري لأصل هوميروس لصالح تقديم رؤية جافة، كئيبة، ومليئة بالجلد الذاتي فكان فيلم لا يسعى لإرضاء المشاهد أو منحه السلام، بل يتركه – كبطل الفيلم – تائهاً في بحر متلاطم من الأسئلة الوجودية.

التعليقات