التخطي إلى المحتوى

تلتقي اللغة الشعرية عند الشاعرة فرات إسبر مع فوتوغرافيا سول ليتر Soul Laiter في حساسية جمالية تجاه مرئي مستتر، ومنعكس، ومحجوب، والأثر الذي يقود إلى غائب، لكن كل واحد منهما يحقق ذلك بأداة مختلفة. فمن الصعوبة أن نضع التصوير الفوتوغرافي والشعر في جملة نقدية واحدة، لأن الصورة الفوتوغرافية تبدو للوهلة الأولى أكثر التصاقاً بالمرئي، بينما يبدو الشعر أكثر تحرراً منه.إذ تتشابه في طريقة النظر إلى العالم حين لا يعود المرئي موثوقاً بذاته. ليتر لا يصور الأشياء كما لو كانت مكتملة أمام عينه، إنه يصورها من خلال المطر والزجاج والانعكاس والضباب والحجب والألوان المتداخلة، بحيث تصبح الصورة نفسها سؤالًا عن حدود الرؤية. وفي قصائد فرات إسبر، ولا سيما حين تقول “الصورة تخدع أحياناً”، تلتقي الكاميرا والقصيدة في منطقة واحدة، فالواقع لا يُستعاد، بل يُعاد اختراعه عبر وسيط مشوش. عند ليتر، الماء أو الزجاج لا يمنعان الرؤية، بل يمنحانها طبيعة أخرى، وعند إسبر، الماء لا يصف العالم بل يصبح سطحاً معرفياً تتبدل عليه صور الأحبة والذات والغياب. ولذلك فإن العلاقة بينهما لا تقوم على “الجمال” بمعناه السهل، وإنما على إعادة النظر في وظيفة الصورة نفسها. الصورة ليست نافذة شفافة على الحقيقة، بل سطحاً تتصارع فوقه الحقيقة والذاكرة والوهم والغياب.لهذا  نفهم لماذا تبدو بعض صور إسبر، رغم أنها شعرية، وكأنها لقطات فوتوغرافية لمشهد لا يمكن التقاطه إلا إذا قبلنا بأن الوضوح ليس دائماً شرطاً للحقيقة.

إذا كان ليتر قد جعل من الحجب طريقة للرؤية، فإن إسبر تجعل من الانكشاف طريقة للكتابة، لكن المفارقة أن الانكشاف عندها لا يحدث بإزالة الحجاب نهائياً، بل بتغييره. إذ تقول “على وجه الماء رأيتهم جميعاً”، ثم ينتقل المشهد إلى “رأيتُ قلبي يشعُ”. فالماء في قصيدتها يؤدي وظيفة قريبة جدا من وظيفة السطح العاكس في التصوير عند ليتر، فهو لا يقدم الواقع مباشرة، وإنما يعيده في صورة ثانية. غير أن الشاعرة تضيف إلى الانعكاس بعداً داخلياً، فالآخرون الذين تراهم على الماء ينتهون إلى القلب، وكأن الصورة الخارجية لم تكن إلا طريقاً إلى اكتشاف الداخل. هذه الحركة تذكرنا بنظرة ليتر إلى الشارع، فقد يكون موضوع الصورة امرأة أو سيارة أو شارعاً، لكن ما يصل إلى المتلقي ليس الموضوع وحده، بل مزاجه بعد أن مر عبر المطر واللون والزجاج والمسافة. في الحالتين، الوسيط لا يفصلنا عن الحقيقة، بل هو الذي يصنع إمكان الوصول إليها. وهذا ما يجعل الماء في شعر إسبر أكثر من رمز لأنه وسيط للرؤية والتحول. مرة يكون مرآة، ومرة صوتاً…”أسمع صوت الماء / بصمت العارف”، ومرة يصبح سراً داخل الجسد”..سر الماء فيه”، ثم يتحول  إلى ندى. وهنا يصبح من الممكن القول إن الماء عند إسبر يؤدي وظيفة فوتوغرافية من نوع خاص لأنه لا يحفظ صورة العالم، بل يعيد تشكيلها. والفرق أن الكاميرا عند ليتر تحفظ لحظة متحولة من الضوء، بينما القصيدة عند إسبر تحفظ لحظة متحولة من الوعي. لذلك فالماء في التجربتين ليس موضوعاً وإنما أداة لتغيير علاقة الإنسان بما يرى.

لكن المسافة بينهما تصبح أكثر إثارة حين ندخل إلى الجسد. عند ليتر لا يظهر الجسد غالباً بوصفه كتلة مكتملة معزولة، بل بوصفه جزءاً من مشهد بصري، قد يحجبه الزجاج، يقطعه إطار، يذوبه اللون، أو يجعله جزءاً من حركة الشارع. وهذا التفكيك البصري للجسد يجد نظيراً شعرياً بالغ القوة عند إسبر”الأجساد كتب تغطيها الأثواب”. الجسد  كنص مستور، والثوب كالغلاف. والقراءة تصبح فعل كشف. ثم يتطور هذا التصور في قصيدة “الصورة تخدع أحياناً” إلى”جسدي ينابيع / مالحة / وعذبة / عكرة / وصافية”. هذه المرة لا يكون الجسد كتاباً واحداً يمكن فتحه وقراءته، بل مجموعة ينابيع متناقضة، مالح وعذب، عكر وصافٍ. وهنا تتقدم إسبر خطوة أبعد من الصورة الفوتوغرافية فالصورة لا تكشف فقط، وإنما يمكن أن تخدع لأنها تختزل ما هو متعدد في هيئة واحدة. الجسد الحقيقي، في شعرها، أكثر من صورته. وربما لهذا تكتسب عبارة “الصورة تخدع أحياناً” أهميتها المركزية، إنها لا تعني أن الصورة كاذبة، وإنما أنها غير قادرة على استيعاب تعدد الشيء الذي تصوره. وهذا هو جوهر التجربة البصرية عند ليتر أيضاً الإنسان لا يحتاج إلى أن يظهر كاملًا لكي يكون حاضراً أحياناً تكفي يد، أو ظل، أو هيئة خلف زجاج، لكي يصبح الغياب نفسه شكلًا من أشكال الحضور. عند إسبر، يحدث الأمر ذاته باللغة فالمرأة لا تظهر دائماً”أدرك أن امرأة مرت من هنا”. إنها حاضرة من أثرها. وهذا ما يمكن تسميته شعر الأثر لأن الحقيقة لا تأتي بالضرورة في هيئة صاحبها، وإنما في العلامة التي تركها بعد المرور. فهل الغياب نقطة الالتقاء الأكثر عمقاً بين ليتر وإسبر؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *