التخطي إلى المحتوى

القدس المحتلة – كشفت القناة 12 الإسرائيلية، نقلاً عن مصادر أميركية، أن عشرات المقاتلات الإسرائيلية نفذت طلعة جوية ليل الاثنين الثلاثاء، اقتربت خلالها من الحدود الإيرانية قبل أن تستدير وتعود إلى إسرائيل، في تحرك قالت المصادر إنه يندرج ضمن استعراض القوة والضغط على طهران، لكنه حمل مخاطر إثارة مواجهة عسكرية جديدة.

وبحسب القناة، شاركت في الطلعة طائرات تزويد بالوقود تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، وحلقت المقاتلات فوق الأراضي السورية والعراقية قبل الاقتراب من الحدود الإيرانية على مسافة وصفت بأنها قصيرة جداً. وأفادت المصادر بأن إسرائيل أبلغت واشنطن مسبقاً بأن التحرك يندرج ضمن تدريب يهدف إلى ردع إيران، مع علمها بأن أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية ستتمكن من رصد الطائرات.

غير أن دلالة التحرك، وفقاً للمصادر الأميركية التي نقلت عنها القناة، تجاوزت إطار التدريب العسكري المعتاد، إذ ساد انطباع بأن تل أبيب ربما أرادت دفع القوات الإيرانية إلى إطلاق النار على المقاتلات، بما قد يوفر مبرراً لشن هجوم جديد. ولم تقدم المعلومات المنشورة دليلاً مستقلاً على أن هذا كان الهدف الفعلي للطلعة، لكنها سلطت الضوء على حساسية التحركات العسكرية في ظل استمرار التوتر بين الجانبين.

وجاءت الطلعة في اليوم نفسه الذي زار فيه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إسرائيل، والتقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس في قاعدة عوفدا الجوية، في توقيت يضيف بعداً سياسياً إلى التحرك، خصوصاً مع تزايد التحذيرات الإسرائيلية من احتمال وقوع هجوم إيراني خلال فترة الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

وتكشف هذه المعطيات عن محاولة إسرائيلية للجمع بين استعراض القدرة العسكرية واستخدام الضغط النفسي، من دون الانتقال بالضرورة إلى تنفيذ هجوم مباشر، فالاقتراب من الحدود الإيرانية، بمشاركة عشرات المقاتلات وطائرات التزود بالوقود، يحمل رسالة بأن إسرائيل تريد إبقاء خيار الضربات الواسعة حاضراً، وأنها تعمل على إبراز قدرتها على الوصول إلى المجال المحيط بإيران، مستفيدة من مسارات الطيران عبر سوريا والعراق.

لكن هذا النوع من التحركات ينطوي أيضاً على مخاطر تتصل بحسابات الطرف المقابل، فرصد الطائرات الإسرائيلية قد يدفع الدفاعات الإيرانية إلى اتخاذ إجراءات اعتراضية، فيما قد يؤدي أي إطلاق للنيران أو سقوط طائرة إلى سلسلة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها. وفي بيئة تتسم بانعدام الثقة، يمكن أن يتحول تحرك يُقدَّم باعتباره رسالة ردع إلى شرارة مواجهة، حتى إذا لم يكن الطرفان قد اتخذا قراراً نهائياً باستئناف الحرب.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية في ضوء ما أوردته صحيفة ‘فايننشال تايمز’ البريطانية، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، بشأن توجيه نتنياهو الجيش الإسرائيلي مطلع أكتوبر/تشرين الأول للاستعداد لهجوم واسع على إيران. ووفقاً للتقرير، شملت الخطط ضربات تمتد عدة أيام وتستهدف منشآت نووية ومواقع تابعة للنظام الإيراني وبنى تحتية مدنية، بينها محطات للطاقة، وكان مقرراً أن تبدأ في العاشر من الشهر، قبل أن تتعطل بسبب معارضة الرئيس الأميركي دونالد ترامب استئناف الهجمات قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني.

وسبق أن نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤولين مطلعين أن نتنياهو ضغط على ترامب لاستئناف الهجمات قبل الانتخابات في البلدين، إلا أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نفى سعيه إلى إشعال حرب قبيل الاقتراع، فيما أعلن نتنياهو في 14 أكتوبر/تشرين الأول معارضته شن هجوم استباقي قبل الانتخابات.

ويعكس هذا التباين حدود التوافق الأميركي الإسرائيلي بشأن إدارة المواجهة مع إيران، فبينما تسعى تل أبيب إلى إبقاء التهديد العسكري قائماً وربما استغلال أي تطور ميداني لتغيير الحسابات، يبدو أن واشنطن تضع توقيت التصعيد وتداعياته السياسية ضمن اعتبارات قرارها، بما يجعل التحركات العسكرية الإسرائيلية مرتبطة أيضاً بمدى استعداد الإدارة الأميركية لتحمل كلفة جولة جديدة من الحرب.

ولا يعني استعراض القوة بالضرورة أن قرار الهجوم قد اتُخذ، لكنه يشير إلى أن الخيار العسكري لا يزال حاضراً في الحسابات الإسرائيلية، فمنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي، وما أعقبها من ردود إيرانية، بقي احتمال تجدد المواجهة مرتبطاً بالتوازن بين قدرة الطرفين على الردع ورغبتهما في تجنب حرب أوسع.

وتبدو الطلعة الجوية اختباراً مزدوجاً، فهي من جهة رسالة إلى طهران بشأن الجاهزية الإسرائيلية، ومن جهة أخرى مؤشر إلى أن هامش الخطأ بات ضيقاً. وقد تنجح هذه التحركات في تعزيز الردع إذا بقيت ضمن حدود محسوبة، لكنها قد تحقق نتيجة معاكسة إذا دفعت إيران إلى الرد أو وفرت ذريعة لتصعيد كان الطرفان يحاولان تأجيله.

ويبقى العامل الحاسم في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت هذه التحركات ستظل أداة ضغط ورسائل عسكرية، أم أنها ستتحول إلى مقدمة لعملية جديدة. وحتى تتضح الإجابة، فإن اقتراب المقاتلات الإسرائيلية من الحدود الإيرانية يعكس تصاعد الاستعدادات والضغوط، لكنه لا يكفي وحده للجزم بأن استئناف الحرب بات وشيكاً.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *