تونس ـ تلقّت الساحة الثقافية والفنية في تونس ببالغ الحزن والأسى نبأ رحيل الفنانة القديرة آمال البكوش، إحدى القامات التمثيلية التي رافقت أجيالاً من المشاهدين، ونقشت اسمها بحروف من صدق وعفوية في الذاكرة الجمعية التونسية والمغاربية.
وبرحيلها، تُطوى صفحة مضيئة من تاريخ التلفزيون والمسرح التونسي، وتفقد الشاشة وجها لطالما أضفى على البيوت دفئاً وابتسامة طيّبة.
بصمة لا تُنسى في “شوفلي حل”
اقترن اسم آمال البكوش في أذهان الملايين بشخصية “مدام جنّات العرّافة” (الشوّافة) في السلسلة الكوميدية الشهيرة شوفلي حل، إلى جانب كوكبة من نجوم الكوميديا التونسية مثل كمال التواتي (الدكتور سليمان الأبيض) ومنى نور الدين والراحلين سفيان الشعري (السبوعي) وتوفيق البحري… استطاعت الراحلة من خلال هذه الشخصية أن تصنع حالة استثنائية من الكوميديا العفوية؛ حيث مثّلت صاحبة العمارة الفضولية، الطريفة، والمتشبثة بقراءة الفنجان وأوراق “الكارطة”، لتتحوّل مشاهدها ومفارقاتها مع سكان العمارة إلى علامة فارقة لا تزال تُشاهد وتُتداول حتى اليوم بشغف لا ينقطع.
مسيرة حافلة بين المسرح والدراما
لم تكن آمال البكوش مجرد ممثلة ارتبطت بعمل كوميدي واحد، بل كانت ركيزة من ركائز التمثيل الدرامي والمسرحي في تونس:
شاركت في أعمال درامية واجتماعية بارزة صاغت العصر الذهبي للمسلسلات التونسية منذ تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية، وشاركت في مسلسلات رائدة تركت أثرا كبيرا لدى المتلقي (مثل مسلسلات دوار للمخرج عبد القادر الجربي، والخطاب على الباب، وقمرة سيدي المحروس، وغيرها من الأعمال التلفزيونية).
انطلقت مسيرتها من الخشبة المسرحية والإذاعة الوطنية، حيث عُرفت بقدرتها العالية على تقمّص الشخصيات الشعبية الأصيلة والمعقدة، بأداء رصين ولغة جسد تجمع بين التلقائية والهيبة.
رحيل يوقظ الحنين
يأتي رحيل آمال البكوش ليجدد مشاعر الحنين إلى زمن فني أصيل كان فيه العمل الدرامي يجمع العائلة التونسية حول الشاشة دون تكلّف أو افتعال. لقد كانت الراحلة، سواء في حضورها أمام الكاميرا أو في وقارها واحتجابها في سنواتها الأخيرة، مثالاً للفنانة المخلصة لرسالتها، التي أعطت للفن التونسي سنوات من عمرها دون ضجيج، وتركت خلفها إرثاً يخلّد حضورها في قلوب محبيها.

التعليقات