التخطي إلى المحتوى

واشنطن – طور باحثون أداة ذكاء اصطناعي قادرة على تقدير العمر البيولوجي والتنبؤ بمخاطر الوفاة لدى مرضى السرطان انطلاقا من صورة فوتوغرافية واحدة للوجه، في تطور قد يساعد الأطباء على تقييم الحالة الجسدية للمرضى قبل إخضاعهم لعلاجات مكثفة، وإن كانت التقنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاختبارات قبل اعتمادها على نطاق واسع.

وأفادت صحيفة “الغارديان” البريطانية، في تقرير نشرته الاثنين، بأن باحثين من مؤسسة “ماس جنيرال بريغام” الطبية والبحثية في الولايات المتحدة طوروا نظاما يحمل اسم “FAHR-Face”، ونشرت تفاصيله في مجلة “The Lancet Digital Health” العلمية.

ولا يهدف النظام إلى اكتشاف الإصابة بالسرطان من ملامح الوجه، بل إلى استنتاج مؤشرات مرتبطة بالحالة الصحية ومخاطر الوفاة لدى أشخاص شُخّصوا بالمرض، اعتمادا على أنماط بصرية تعلمها الذكاء الاصطناعي من الصور والبيانات الطبية.

واستخدم الباحثون نموذجا أساسيا دُرّب على أكثر من 40 مليون صورة للوجوه، تعود لأشخاص من أعمار وخلفيات سكانية متنوعة، ثم كيّفوه لتطوير أداتين متكاملتين: الأولى، “FAHR-FaceAge”، لتقدير العمر البيولوجي، والثانية، “FAHR-FaceSurvival”، للتنبؤ المباشر بمخاطر الوفاة لدى مرضى السرطان.

ويشير العمر البيولوجي إلى تقدير حالة الجسم مقارنة بالعمر الزمني المسجل، وقد يبدو الشخص أكبر أو أصغر من عمره الحقيقي تبعا لمؤشرات ترتبط بالشيخوخة والصحة الجسدية.

وتختلف الأداتان في طريقة عملهما؛ إذ تستنتج الأولى العمر البيولوجي من ملامح الوجه، بينما تتعلم الثانية الربط مباشرة بين أنماط الوجه ونتائج المرضى الصحية، من دون الحاجة إلى المرور بتقدير العمر البيولوجي. وأظهرت الدراسة أن الجمع بين مخرجاتهما يمكن أن يحسن أداء التنبؤ.

ملامح مختلفة ومؤشرات صحية

ولاحظ الباحثون أن الأداتين تعتمدان على مناطق مختلفة من الوجه. فقد برزت الجبهة والصدغان والطيات الممتدة من جانبي الأنف إلى زوايا الفم في تقدير العمر البيولوجي، بينما ركز نموذج التنبؤ بمخاطر الوفاة بدرجة أكبر على المنطقة الواقعة أسفل العينين وحول جسر الأنف.

لكن الباحثين لم يحددوا بصورة قاطعة الإشارات البيولوجية التي تلتقطها الخوارزميات في هذه المناطق، أو الآليات التي تفسر ارتباطها بمآلات المرض. وقد تعكس بعض التغيرات المرئية علامات للشيخوخة أو تدهورا في الحالة الجسدية، إلا أن هذه التفسيرات لا تزال فرضيات تحتاج إلى مزيد من البحث.

وقال هوغو آيرتس، المشارك في الإشراف على الدراسة، إن النموذج يتيح التعرف على مخاطر البقاء على قيد الحياة مباشرة من صور وجوه مرضى السرطان، معتبرا ذلك تقدما عن الأساليب التي تعتمد على العمر البيولوجي بوصفه مؤشرا غير مباشر.

ويستند هذا النهج إلى تدريب نموذج تأسيسي يتعلم تمثيلا عاما لملامح الوجه من ملايين الصور، ثم تكييفه لمخرجات صحية مختلفة، بدلا من بناء نموذج منفصل من البداية لكل مؤشر.

اختلافات في مخاطر الوفاة

وأظهرت النتائج أن العمر البيولوجي المقدّر من الوجه يرتبط بمآلات المرض لدى مرضى السرطان. ففي تحليل لمرضى تلقوا العلاج الإشعاعي في الولايات المتحدة، ارتبط ظهور المريض أكبر بخمس سنوات أو أكثر من عمره الفعلي بارتفاع خطر الوفاة بنسبة 21 في المئة خلال فترة متابعة بلغ متوسطها نحو أربع سنوات، مقارنة ببقية المجموعة.

وفي المقابل، ارتبط ظهور المرضى أصغر بخمس سنوات أو أكثر من أعمارهم الحقيقية بانخفاض خطر الوفاة بنسبة 17 في المئة.

وتشير هذه الأرقام إلى وجود ارتباط إحصائي بين العمر البيولوجي المقدّر ومآلات المرض، لكنها لا تعني أن مظهر الوجه يحدد مصير المريض، أو أن هذه النسب تمثل احتمالات فردية للنجاة.

وفي تحليل منفصل لنموذج “FAHR-FaceSurvival”، سجل المرضى المصنفون ضمن الربع الأعلى من درجات الخطر معدل وفاة يزيد على ثلاثة أضعاف نظيره لدى المرضى في الربع الأدنى، بعد مراعاة عدد من العوامل السريرية.

كما أوردت “واشنطن بوست” مقارنة بين أعلى عشرة في المئة وأدنى عشرة في المئة من درجات الخطر، توفي بموجبها نحو نصف المرضى في الفئة الأولى خلال 90 يوما من التصوير، مقابل نحو اثنين في المئة في الفئة الثانية.

وتظل هذه المقارنة مرتبطة بمجموعتين متطرفتين من درجات الخطر في عينة الدراسة، ولا يمكن تعميمها على جميع مرضى السرطان أو استخدامها لتحديد موعد وفاة شخص بعينه.

التدخين والكحول وتغيرات التصوير

ورصد الباحثون ارتباطا بين بعض أنماط الحياة والعمر البيولوجي الذي يقدره النظام. فقد ارتبط التدخين والاستهلاك المفرط للكحول واستخدام المخدرات بظهور الأشخاص أكبر سنا من أعمارهم الفعلية في تحليل صور الوجه.

لكن هذه النتائج لا تثبت أن الخوارزمية تستطيع تحديد السلوكيات الفردية من صورة الوجه وحدها، ولا أن كل تغير في المظهر ناتج عن نمط الحياة. كما لا تكفي هذه الارتباطات لإثبات علاقة سببية مباشرة بين العادات المذكورة والنتائج التي ينتجها النموذج.

ومن الجوانب التي اختبرها الباحثون أيضا مدى استقرار تقديرات العمر البيولوجي أمام التغيرات الشائعة في الصور، مثل الإضاءة ووضعية الوجه وتعابيره واستخدام مستحضرات التجميل. وأفادوا بأن الأداة أظهرت استقرارا عبر معظم هذه التغيرات، وكذلك عبر عدد من عمليات التجميل التي اختُبرت، مع ملاحظة تغير محدود بعد عمليات تجميل الأنف.

ولا يعني ذلك أن النتائج ستظل دقيقة في جميع ظروف التصوير أو لدى كل الفئات السكانية، إذ يتطلب إثبات قابلية تعميمها اختبارات أوسع في بيئات سريرية متنوعة.

دعم قرارات العلاج

وقال ريموند ماك، اختصاصي أورام العلاج الإشعاعي في “ماس جنيرال بريغام”، إن شيخوخة السكان تزيد الحاجة إلى وسائل أفضل لتقدير الاحتياطي البدني والوهن قبل التوصية بعلاجات مكثفة، مثل العلاج الإشعاعي والجراحة والعلاجات الجهازية التي تؤثر في الجسم بأكمله.

وقد تساعد أدوات تحليل الوجه مستقبلا في تقديم مؤشر إضافي إلى الأطباء عند تقييم المخاطر المرتبطة بالعلاج أو المضاعفات المحتملة، خصوصا لدى المرضى الذين تكون قدرتهم على تحمل التدخلات الطبية موضع تساؤل.

لكن خبراء مستقلين شددوا على أن القدرة على التنبؤ إحصائيا لا تثبت وحدها أن الأداة تحسن القرارات الطبية. ويتعين إجراء دراسات إضافية تقارن نتائجها بالتقييم السريري المعتاد، وتختبر ما إذا كانت المعلومات التي تقدمها تضيف قيمة حقيقية إلى التاريخ الطبي والفحوص المعروفة.

كما تثير التقنية تساؤلات بشأن احتمال تفاوت أدائها بين الفئات السكانية، وحماية الصور البيومترية والبيانات الصحية، وضمان عدم استخدامها لاتخاذ قرارات علاجية آلية قد تحرم بعض المرضى من خيارات مفيدة.

ولا تزال الأدلة المتاحة غير كافية لاعتبار “FAHR-FaceSurvival” أداة روتينية معتمدة لتحديد العلاج أو تقدير فرص النجاة الفردية. ويؤكد الباحثون أن الهدف هو جعل التقييم الصحي القائم على صور الوجه أكثر اتساقا وقابلية للقياس، بما يدعم القرارات الشخصية ولا يحل محل تقدير الطبيب.

ويعكس البحث اتجاها متناميا نحو استخدام الذكاء الاصطناعي لاستخلاص مؤشرات صحية من بيانات بسيطة، لكنه يترك سؤالا أساسيا بلا إجابة نهائية: هل ستؤدي هذه المؤشرات إلى تحسين الرعاية والنتائج الصحية فعلا، أم ستظل وسيلة إحصائية إضافية تحتاج إلى تفسير وتحقق قبل إدخالها في الممارسة الطبية؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *