في قلب الدلتا، وعلى بُعد نحو 93 كيلومترا شمال العاصمة القاهرة، تتربع مدينة طنطا كأيقونة تجمع بين عبق التاريخ وألق الحاضر، فطنطا من أهم حواضر الدلتا المصرية. تعاقبت عليها الحضارات فتركت في كل زاوية من زواياها أثراً لا يُنسى، بدءا من العهد الفرعوني مرورا بالروماني والقبطي وصولاً إلى العصر الإسلامي الذي منحها هويتها الحالية. إن الغوص في تاريخ طنطا هو رحلة لاكتشاف روح مصر، حيث تتلاقى أصالة العمارة، وبطولات الأجداد، والعمق الثقافي الذي جعل منها منارة للعلم والدين. واليوم، لا تقتصر أهمية طنطا على كونها عاصمة لمحافظة الغربية فحسب، بل تقف كشاهد حي على التاريخ بفضل موقعها الاستراتيجي، وتراثها العمراني، ومكانتها الروحية التي تتجسد في رحاب مسجدها الأحمدي الشهير.
منذ آلاف السنين أطلق الفراعنة علي طنطا إسم ”تناسو” وكانت إحدى مدن المقاطعة الخامسة من مقاطعات الوجه البحري في مصر الفرعونية.
وفي القرن الرابع قبل الميلاد أسماها الإغريق “تانيتاد”. ولما آلت مصر إلى الرومان عرفت باسم “طنتثنا”. وفي العصر البيزنطي أُطلق عليها “طو”. وفي العصر القبطي اطلق عليها “طنيطاد”.
وكما تركت الحضارة المصرية القديمة بصماتها واضحة علي جبين طنطا، تركت المسيحية أيضاً آثاراً ليست تمحى، ففي حي الصاغة بطنطا توجد كنيسة الأقباط الكبرى والتي تعتبر تحفة فنية، وكذلك كنيسة لويس، وكنيسة ماري جرجس بكفرة أبو النجا بطنطا، وكنيسة الروم الكاثوليك الأثرية بشارع القنطرة وكنيسة القديس بطرس للأقباط الكاثوليك بشارع البحر.
غير أن لا الحضارة المصرية القديمة، ولا المسيحية في العصور الوسطي، استطاعت أن تغير من معالم هذه المدينة، بمثل ما تغيرت معالمها منذ الفتح الإسلامي لمصر، حتى صارت مدينة إسلامية بل مدينة من أهم المدن الإسلامية في مصر.
لما فتح العرب مصر عام (20هـ /641م) حُرفَ الإسم إلى “طنتدا” وأضمحل شأنها وأصبحت ضاحية من ضواحي سبرباى، وأصبحت عبارة عن قرية تضم بضعة منازل وأكواخ متناثرة بنيت من الحجارة والطوب الأخضر (اللبن) وبها جامع وحمام وسوق وأسقفية.
وفي القرن الخامس الهجري/الحادي العاشر الميلادي أحدث الخليفة المستنصر بالله الفاطمي (427هـ – 1029م/ 487هـ -1094م) تغييراً كلياً في حدود الأقسام الإدارية بالقطر المصري فقد كان الوجه البحري ينقسم إلى إقليمين كبيرين: إقليم مصر، وإقليم أوجيستا، وكل من هذين الإقليمين كان مقسما إلى دوقيتين (ولايتين)، دوقية قسم أول، ودوقية قسم ثان، ثم تنقسم كل دوقية إلى عدد من الكور (المراكز الإدارية). ألغى المستنصر الأقاليم كما ألغى الكور في الوجه البحري وحل محل التقسيم السابق تقسم آخر جعل الوجه البحري22 إقليماً منها إقليم “الطندتاوية” نسبة إلى (طندتا: الاسم الفاطمي لطنطا) واتخذوها قاعدة لإقليم جديد. وعينوا لها عاملاً يتولى أمر الخراج والشرطة والصلاة. ومن ذلك الحين بدأ الاهتمام بهذه القرية.
وفي العصر الأيوبي وفي ظل حكم صلاح الدين الأيوبي ازداد الاهتمام بقرية طندتا واتسع عمرانها. وأصبحت قرية كبيرة زمامها حوالي المائة فدان.
وفى عهد الملك العادل أبوبكر الأيوبي استقر بطنطا السيد أحمد البدوي (تابعي مشهور بالتقي والزهد وكان أحد أقطاب الصوفية الأربعة، عرف بلقب شيخ العرب) سنة 637هـ /1240م قادماً من مدينة فاس بالمغرب، التي ولد بها من أسرة عربية. ومنذ ذلك الحين بدأ شأن هذه القرية يعظم حتى صارت مدينة كبيرة ذات شأن.
ولد البدوي بمدينة فاس عام 596هـ /1199م، من أسرة تعود بالنسب إلى الإمام على كرّم الله وجهه، وكان احمد البدوي سابع إخوته لأبيه الشريف على بن عثمان، ولما بلغ السابعة من عمره حفظ القرآن الكريم، وبدأ يتفقه في الدين، إلى أن عاد أفراد الأسرة إلى موطنهم الأصلي مكة المكرمة، وفي طريق عودتهم، مكثوا بمصر مدة عامين، ثم واصلوا طريقهم الى الحجاز، وأخذ كل مجالس العلم الحافلة بها مكة والمدينة يتعلم الفقه على مذهب الإمام الشافعي، بعد أن كان يتعلمه في المغرب على المالكية، ومال إلى الزهد منذ صغره حتى اشتهر بين قومه بالشيخ أحمد الزاهد، وفي ذات الوقت تعلم الفروسية حتى قال عنه أخوه الشريف حسن: “لم يكن في مكة والمدينة من الفرسان أشجع ولا أفرس من أخي أحمد”، مكث بمكة المكرمة إلى أن مات أبوه وأخوه محمد، ثم رحل إلى العراق عام 1237م مع شقيقه الأكبر حسن، وانتهي بهما المطاف إلى بغداد الكاظمية، تركه أخوه وعاد إلى مكة، فرحل إلى مصر، واستقر في طنطا، حيث استطاع أن يربي نفوساً مؤمنه شاركت في قتال حملة لويس التاسع وأسره في المنصورة عام 647هـ /1249م، وكانت أول دار نزل بها البدوي في طنطا هي دار الشيخ ركن الدين، ولما مات ركن الدين انتقل البدوي إلى دار أخري مجاورة هي دار ابن شميط، ومكث بها حتى توفاه الله في الثاني عشر من ربيع الأول عام 657هـ / 1257م، ودفن بها حيث أقيم الضريح الحالي، وشيّد المسجد بعد ذلك بجوار قبره. وكان ذلك في عهد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى.

التعليقات