
يواجه المشرعون في سويسرا تحديًا صعبًا بشأن تحديد متطلبات رأس المال الجديدة لبنك «يو بي إس» (UBS)، في أعقاب انهيار بنك «كريدي سويس» عام 2023، إذ يتعين عليهم الموازنة بين تشديد الرقابة المصرفية لضمان الاستقرار المالي، وتجنب فرض أعباء تنظيمية قد تدفع أكبر بنك في البلاد إلى نقل مقره الرئيسي إلى الخارج، في وقت يثير فيه تخفيف القواعد مخاوف من اللجوء إلى استفتاء شعبي وإطالة أمد حالة عدم اليقين التنظيمي.
ومن المقرر أن تبدأ لجنة تابعة للمجلس الوطني السويسري، وهو الغرفة السفلى في البرلمان، مناقشة القواعد المصرفية في 26 أكتوبر، وذلك بعد إقرار مجلس الولايات، الغرفة العليا، مقترحات خلال الشهر الماضي، وصفها بنك «يو بي إس» بأنها غير مقبولة.
وتشير التوقعات إلى أن فرص التوصل إلى قواعد أكثر مرونة لا تزال محدودة، رغم سعي بعض المشرعين إلى إيجاد تسوية تقلل الأعباء المفروضة على البنك، دون الإضرار بمتانة النظام المالي السويسري أو تقويض قدرته على مواجهة الأزمات.
متطلبات رأس المال تضع «يو بي إس» أمام تحديات جديدة
أقر مجلس الولايات إلزام بنك «يو بي إس» بتغطية وحداته الأجنبية برأس مال من الفئة الأولى للأسهم العادية (CET1) يعادل 90%، مقارنة بنسبة 60% المعمول بها حاليًا، مع السماح بتغطية جزء من المتطلبات القائمة باستخدام رأس مال أقل تكلفة، بعدما كانت الحكومة السويسرية قد اقترحت في البداية رفع النسبة إلى 100%.
ويرى البنك أن اشتراط الاحتفاظ برأس مال يعادل 90% من المتطلبات الخاصة بوحداته الأجنبية يمثل مستوى مرتفعًا للغاية، وقد يؤثر سلبًا في قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية.
في المقابل، يتمسك المشرعون بأهمية ضمان امتلاك البنك رأس مال كافيًا لامتصاص الخسائر المحتملة، بما يحمي الاستقرار المالي ويقلل احتمالات اضطرار الحكومة إلى التدخل لإنقاذ المؤسسة المصرفية في حال تعرضها لأزمة جديدة.
وقال ليو مولر، عضو اللجنة البرلمانية عن حزب الوسط، إن البرلمان يواجه موقفًا معقدًا، موضحًا أن تخفيف القواعد بدرجة أكبر من اللازم قد يؤدي إلى طرح التشريع في استفتاء شعبي واحتمال رفضه من جانب الناخبين، بينما قد تدفع المتطلبات الصارمة البنك إلى التفكير في نقل مقره إلى دولة أخرى.
احتمال الاستفتاء الشعبي يزيد تعقيد المفاوضات
أفادت مصادر مطلعة بأن وزيرة المالية السويسرية كارين كيلر-سوتر تسعى إلى الحصول على موافقة البرلمان على تحديد نسبة 90% لرأس المال من المستوى الأول، مع الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى استفتاء شعبي بشأن التشريعات إذا استوفت شروط الدعم المطلوبة.
وفي المقابل، أعلن ممثلو الحزب الديمقراطي الاجتماعي، المؤيدون لتحديد النسبة عند 100%، أنهم سيقررون ما إذا كانوا سيسعون إلى تنظيم استفتاء بعد اتضاح موقف البرلمان من القواعد المقترحة، وهو ما لا يُتوقع أن يحدث قبل ديسمبر على أقرب تقدير.
ويضع هذا الاحتمال المشرعين أمام ضرورة التوصل إلى صيغة تحظى بقبول سياسي وشعبي، وتحقق في الوقت نفسه أهداف الرقابة المصرفية دون فرض أعباء قد تؤثر في مستقبل أكبر بنك سويسري..
مقترح لتحديد متطلبات رأس المال عند 75%
في محاولة للتوصل إلى حل وسط بين تشديد المتطلبات وتخفيفها، اقترح هانز-بيتر بورتمان، المنتمي إلى الحزب الليبرالي (FDP)، تحديد نسبة رأس المال من المستوى الأول للوحدات الأجنبية التابعة لبنك «يو بي إس» عند 75%، مع وضع آلية لتعزيز قدرة البنك على امتصاص الخسائر إذا تراجعت نسب رأس المال إلى ما دون مستوى محدد.
وأوضح بورتمان أن التسوية المقترحة ينبغي أن تسمح للبنك بتعويض المساهمين بما يتناسب مع المخاطر، وتخصيص رأس المال للاستثمار والنمو، مع تقليل المخاطر التي قد يتحملها الجمهور السويسري إلى أدنى مستوى ممكن.
ومن المنتظر تقديم مقترحات إضافية قبل بدء المناقشات الموسعة داخل المجلس الوطني خلال ديسمبر، في إطار البحث عن صيغة توازن بين متطلبات الاستقرار المالي والقدرة التنافسية للمؤسسة المصرفية.
انقسام سياسي حول مستوى التشديد المطلوب
جاء التأييد لتحديد نسبة رأس المال عند 90% داخل مجلس الولايات أقوى مما كان متوقعًا، فيما تشير مصادر برلمانية إلى أن أحزاب يسار الوسط تتمتع بتمثيل أقوى في المجلس الوطني، بينما تتباين مواقف أحزاب الوسط ويمين الوسط بشأن مستوى المتطلبات الجديدة، مع ميل بعض الأطراف إلى تشديد القواعد.
وقال أوليفييه فيلر، النائب عن الحزب الليبرالي والمؤيد لتحديد نسبة 100% للوحدات الأجنبية، إن موقف حزبه لا يزال قيد النقاش، لكنه أشار إلى احتمال استقرار المجلس الوطني عند نسبة 90%، مضيفًا: «نحن بلد صغير يضم بنكًا ضخمًا».
ويعكس هذا الانقسام صعوبة التوصل إلى توافق بشأن القواعد الجديدة، في ظل اختلاف وجهات النظر حول كيفية حماية النظام المصرفي من الأزمات، دون إضعاف قدرة المؤسسات المالية السويسرية على المنافسة دوليًا.
هل ينقل «يو بي إس» مقره الرئيسي إلى خارج سويسرا؟
في ظل الجدل الدائر بشأن متطلبات رأس المال، حث مستثمرون كبار بنك «يو بي إس» على دراسة الانتقال إلى بيئة تنظيمية أكثر ملاءمة لأعماله، فيما أفادت مصادر لوكالة رويترز بأن البنك يعد خططًا احتياطية قد تشمل نقل مقره الرئيسي أو الاندماج مع مؤسسة مالية أخرى.
كما دعت شركة «أرتيسان بارتنرز» البنك علنًا إلى مغادرة سويسرا بسبب القواعد المقترحة، غير أن الانتقال إلى دولة أخرى أو التخلي عن الهوية السويسرية قد يترتب عليهما تكاليف استراتيجية واقتصادية لا يرغب البنك في تحملها.
وفي هذا السياق، قال أورس ساكسر، أستاذ القانون بجامعة زيورخ، إن أي تسوية محتملة ستكون على الأرجح قريبة من نسبة 90%، مشيرًا إلى أن اتخاذ قرار بمغادرة سويسرا يتطلب سببًا قويًا للغاية، خاصة أن الاستقرار واليقين القانوني اللذين توفرهما البلاد يصعب العثور عليهما في أماكن أخرى في الوقت الراهن.
وتظل المعضلة الرئيسية أمام المشرعين السويسريين هي تحقيق التوازن بين حماية أموال دافعي الضرائب، وضمان قدرة بنك «يو بي إس» على المنافسة عالميًا، مع تفادي تكرار أزمة مصرفية مماثلة لانهيار «كريدي سويس» عام 2023، وما قد يترتب عليها من تداعيات واسعة على النظام المالي والاقتصاد السويسري.

التعليقات