التخطي إلى المحتوى

تصل نسبة السكان العرب في إسرائيل إلى 21 في المئة من تعداد السكان، أي في حدود المليوني نسمة. ورغم الثقل العددي، يبقى الحضور العربي في الانتخابات التشريعية قضية معقدة وغير ثابتة النتائج، وبالتالي لا يُعتبر العرب بشكل عام قادرين على حسم هوية الحكومة، ومرد ذلك الانقسام، ما يقلص الوزن السياسي.

ويعود تاريخ المشاركة العربية في انتخابات الكنيست إلى بداياتها في العام 1949، حيث ارتبط الصوت العربي بشكل لافت بالأحزاب التابعة للحركة الصهيونية، كخارطة العمل (ماباي) وحزب العمل، عبر ما عُرف بقوائم الأقليات، إذ اتسمت تلك المرحلة بسيطرة الحكم العسكري الذي فُرض على المناطق العربية حتى العام 1966.

ومع بداية سبعينيات القرن الماضي، ظهر وعي سياسي مستقل، حيث نمت أحزاب عربية ويهودية – عربية كالجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (1977)، والتقدمية للسلام، ثم الحزب الديمقراطي العربي. وحاولت هذه الأحزاب الخروج من سيطرة الأحزاب اليهودية المتطرفة إلى تمثيل مباشر لقضايا المواطنين العرب.

إلا أن التحول الأهم حدث في العام 2015، عندما توحدت أربعة أحزاب رئيسة عربية هي: الجبهة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة، في إطار واحد هو ‘القائمة المشتركة’. وحقق هذا التحالف في انتخابات مارس/آذار 2020 مكاسب لافتة بحصوله على 15 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، وهي سابقة، حيث أصبح ثالث أكبر قوة برلمانية، في ذروة لم يبلغها التمثيل العربي قبلاً.

وعلى الرغم من الارتفاع العددي، تبقى نسبة المشاركة الفعلية والعملية هي المعضلة الأساسية. وفي حين تراوحت نسبة التصويت العامة في إسرائيل بين 67 في المئة و72 في المئة، فإن نسبة التصويت في البلدات العربية لم تكن مستقرة، حيث بلغت ذروتها 79 في المئة في العام 1999، عندما تنافس إيهود باراك وبنيامين نتنياهو، إذ شعر الناخب العربي بإمكانية التأثير المباشر. لكنها انهارت إلى 53 في المئة في انتخابات 2009، وبعدها إلى 49 في المئة فقط في انتخابات أبريل/نيسان 2019، وهي أدنى نسبة في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية، ويُعتبر هذا التحول نتاج فقدان الثقة بالتحالفات والبرامج.

ويبدو أن ثمة ثلاثة أسباب رئيسة لذلك، أولاً، الشعور بانعدام الجدوى، حيث اعتبر كثير من المواطنين العرب أن أصواتهم لا تُترجم إلى تحسن واضح في قضايا الإسكان والعنف والجريمة والتمييز في الميزانيات والتوظيف. وثانياً، قانون القومية لعام 2018، الذي نص على أن إسرائيل هي “الدولة القومية للشعب اليهودي”، فقد عمّق الشعور بالتمييز والإقصاء، ودفع شرائح واسعة إلى الاعتقاد بأن الدولة عرّفت نفسها كدولة يهودية خالصة، وليست دولة لجميع مواطنيها. ثالثاً، الانقسام الحاد داخل الأحزاب العربية حول جدوى التوصية على مرشح لرئاسة الحكومة، والمشاركة في أي ائتلاف حكومي.

وينقسم حالياً الخطاب السياسي العربي بين تيارين كبيرين، الأول ويمثله التجمع الوطني الديمقراطي وجزء من الجبهة، يتبنى خطاباً يعتقد أن المشاركة ينبغي أن تكون أداة لطرح القضية الفلسطينية والقومية داخل الكنيست، ويرفض أي تزكية أو دخول في حكومات صهيونية، باعتبار أن ذلك نتاج الاحتلال والتمييز.

 أما التيار الثاني، فتمثله القائمة العربية الموحدة (راعم)، ويتبنى ما يسمى “النهج الواقعي الجديد” وهو يقوم على فكرة أن العرب يجب أن يتحولوا من معارضة دائمة إلى قوة قادرة على المساومة والحصول على ميزانيات وخطط حكومية مباشرة.

وقد تُرجم هذا النهج عملياً في العام 2021، عندما أصبحت ‘راعم’ أول حزب عربي يشارك في ائتلاف حكومي في تاريخ إسرائيل، ضمن حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد. وفي المقابل، حصلت على ميزانية غير مسبوقة بقيمة 53 مليار شيكل لخطة تنمية المجتمع العربي ومكافحة الجريمة. ورغم أن هذه التجربة لم تكتمل بسبب سقوط الحكومة بعد عام واحد، فقد فتحت نقاشاً عميقاً: هل الطريق إلى المساواة يمر عبر التأثير من الداخل، أم أن الثمن السياسي أكبر من المكاسب الخدماتية؟

حسابياً، لا يمكن لأي من المعسكرين الكبيرين في إسرائيل، معسكر اليمين بقيادة الليكود ومعسكر الوسط – يسار، تشكيل حكومة مستقرة دون تحييد الصوت العربي على الأقل، إن لم يكن اكتسابه، ففي ظل نظام انتخابي يعتمد على تمثيل نسبي كامل ونسبة حسم 3.25 في المئة، فإن كل مقعد يحصل عليه حزب عربي هو مقعد يُقتطع عملياً من قدرة أحزاب اليمين على الوصول إلى 61 مقعداً.

 لذلك، أصبحت نسبة تصويت العرب هي المؤشر الأكثر متابعة ليلة الانتخابات؛ فارتفاعها من 49 في المئة إلى 65 في المئة يعني إضافة 4 إلى 5 مقاعد للكتلة المناهضة لنتنياهو، وهو ما يكفي لقلب الخارطة. كما أن الصوت العربي لم يعد يصب في اتجاه واحد، فهناك نمو في تصويت الشباب العرب لأحزاب يهودية غير تقليدية، مثل ميرتس والعمل سابقاً، وهناك أيضاً تصويت احتجاجي يتمثل في وضع ورقة بيضاء.

وفي المحصلة، يواجه الناخب العربي في الاستحقاقات القادمة تحديات وجودية: أولها تفشي الجريمة المنظمة في البلدات العربية، التي حصدت أكثر من 200 قتيل في عام واحد، وفشل الشرطة في التعامل معها، مما يولد شعوراً بأن الدولة تتخلى عنهم. وثانيها قضية التخطيط والبناء وهدم المنازل غير المرخصة، خاصة في النقب. وثالثها قانون الانتخابات والتحريض السياسي. ففي كل حملة انتخابية، يتعرض النواب العرب لحملات نزع شرعية، وصلت إلى حد محاولات شطب قوائمهم من الترشح.

وخلاصة القول، يبقى الصوت العربي في الانتخابات الإسرائيلية أكثر من مجرد ورقة اقتراع؛ إنه استفتاء مستمر على الهوية والانتماء والعلاقة مع الدولة، فبين من يراه أداة للتغيير المدني الملموس، ومن يراه ساحة لإثبات الوجود القومي، يتقرر مستقبل أكثر من خُمس السكان الذين يعيشون بين كونهم مواطنين في دولة، وجزءاً لا يتجزأ من شعب.

ويبقى الأثر الأكثر أهمية لتداعيات طوفان الأقصى وما جرى بعده عاملاً حاسماً في الاتجاهات الانتخابية، وذلك في ظل آثار غير مسبوقة في المجتمع العربي، وبخاصة في غزة، إثر مسارات الحرب التي تركت آثاراً كبيرة وواضحة في العقل العربي قبل صوته.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *