الصين تطارد ثورة الدماغ
لم تعد المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة تقتصر على الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والروبوتات؛ إذ تنتقل تدريجياً إلى ميدان أكثر تعقيداً، هو الدماغ البشري نفسه.
من أطراف صناعية تتحرك بالإشارات العصبية إلى أجهزة قابلة للارتداء تستهدف تحسين النوم والاسترخاء، تسعى الصين إلى تسريع تطوير تقنيات تربط الدماغ بالأجهزة الإلكترونية، في سباق يضع الابتكار الطبي والتطبيقات الاستهلاكية ضمن حسابات التنافس على ريادة التكنولوجيا العالمية.

وتبرز واجهات الدماغ والحاسوب (BCI) بوصفها إحدى التقنيات التي تراهن عليها بكين لتعزيز موقعها في الصناعات المستقبلية، مستفيدة من الدعم الحكومي والاستثمارات المتزايدة والتوسع في التجارب السريرية، في محاولة للحاق بالولايات المتحدة، التي قطعت شركاتها خطوات متقدمة في تطوير هذه التكنولوجيا.
أجهزة تتحكم فيها الأفكار
تقدم صالة العرض التابعة لشركة برينكو (BrainCo)، وهي شركة ناشئة متخصصة في التكنولوجيا العصبية بمدينة هانغتشو الصينية، لمحة عن الإمكانات التي وصلت إليها الأجهزة القابلة للارتداء والأطراف الصناعية الذكية.
في أحد العروض، يعزف شخص فقد أحد أطرافه على البيانو، قبل أن يخلع بسهولة ذراعاً اصطناعية متطورة يمكن تثبيتها من دون تدخل جراحي. وفي مكان آخر، يستعرض شخص يستخدم ساقاً اصطناعية قدَّرَتْه على المشي ذهاباً وإياباً، متحدياً الحاضرين تحديد الطرف الميكانيكي.
ولا تقتصر تطبيقات الشركة على مساعدة الأشخاص الذين تعرضوا لحوادث خطيرة؛ إذ تشمل أيضاً أجهزة تستهدف الاستخدامات اليومية. وفي إحدى التجارب، يُطلب من الزائر الاستلقاء وارتداء قناع يرسل تيارات كهربائية دقيقة منخفضة الشدة إلى الفص الجبهي من الدماغ، بهدف المساعدة على الاسترخاء، وفقاً لما تروج له الشركة.
وتعكس هذه المنتجات اتساع نطاق التكنولوجيا العصبية، التي لم تعد محصورة في التطبيقات الطبية المتخصصة، بل بدأت تتجه نحو منتجات استهلاكية تسعى الشركات إلى جعلها جزءاً من الحياة اليومية.
“نيورالينك” تشعل المنافسة
ارتبطت واجهات الدماغ والحاسوب خلال العقد الماضي بصورة وثيقة بشركة نيورالينك الأمريكية (Neuralink) ، التي أسسها إيلون ماسك عام 2016. وتتيح هذه التكنولوجيا نقل الإشارات بين الدماغ والأجهزة الإلكترونية، بما يسمح، في بعض التطبيقات، للأشخاص ذوي الإعاقات الحركية الشديدة بالتحكم في الحواسيب باستخدام أفكارهم، من دون الحاجة إلى أدوات تحكم إضافية.

وكانت «نيورالينك» أول شركة تجري تجارب على زرعات دماغية لاسلكية تتيح للمصابين بإعاقات شديدة التحكم في الحواسيب لفترات طويلة عبر الإشارات العصبية.
لكن الصين تسعى إلى تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة، واضعة التكنولوجيا العصبية ضمن القطاعات التي تستهدف الهيمنة عليها مستقبلاً، إلى جانب الحوسبة الكمومية والروبوتات والطاقة الاندماجية.
وتعمل الحكومة المركزية على توجيه الموارد إلى الشركات والجامعات والجهات التنظيمية لدعم تطوير هذه الصناعة. وفي عام 2024، وضعت وزارة العلوم والتكنولوجيا إرشادات أخلاقية لأبحاث واجهات الدماغ والحاسوب. وفي عام 2025، أُدخلت رسومٌ وطنية موحدة ورموز فوترة في المستشفيات، بهدف تسهيل اعتماد التكنولوجيا في الاستخدامات الطبية.
كما تستعد جامعة تيانجين لاستقبال أول دفعة من الطلاب الجامعيين المتخصصين في تكنولوجيا واجهات الدماغ والحاسوب خلال الخريف، لتصبح أول جامعة في العالم تقدم برنامجاً أكاديمياً متخصصاً في هذا المجال، وفقاً للنص.
مئات الشركات تدخل السباق
تعمل مئات الشركات الناشئة الصينية وآلاف الموردين على تطوير منتجات مرتبطة بواجهات الدماغ والحاسوب، في مؤشر إلى اتساع قاعدة الصناعة المحلية وتنامي طموحاتها التجارية.
ومن أبرز المنافسين الصينيين لشركة «نيورالينك» شركة نيورو إكسس (NeuroXess)، التي أصبحت أول شركة محلية تستكمل تجارب سريرية لزرعات دماغية لاسلكية بالكامل، إلى جانب “ستاييرميد” (StairMed)، المدعومة من عملاق التكنولوجيا الصيني «علي بابا»، وشركة نيوسايبر (NeuCyber)، التي تحظى بدعم حكومي.
ولا يقتصر الدعم على المستوى المركزي، إذ تسعى الحكومات المحلية إلى استقطاب الاستثمارات وتسريع التجارب السريرية. وحدد مسؤولون في مقاطعة آنهوي، الواقعة في وسط الصين، هدفاً يتمثل في الموافقة على ثلاث تجارب سريرية للأقطاب الكهربائية المزروعة بحلول عام 2028.
ويعكس هذا التوجه محاولة لبناء منظومة متكاملة تشمل البحث العلمي والتصنيع والتجارب الطبية والتنظيم الحكومي، بما يساعد على تحويل الابتكارات العصبية إلى منتجات قابلة للاستخدام التجاري.

تقنيات أقل تدخلاً جراحياً
تحظى الأنظمة الأقل تدخلاً في الدماغ باهتمام متزايد في الصين. وتشمل الواجهات شبه التدخلية أجهزة تُزرع على سطح الدماغ بدلاً من اختراق أنسجته، ما يفتح المجال أمام تطبيقات طبية تستهدف استعادة بعض الوظائف الحركية.
وفي مارس، حصل منتج طورته شركة نيوراكل (Neuracle)، وهي شركة ناشئة مقرها شنغهاي، على موافقة للاستخدام التجاري، ليصبح أول زرع شبه تدخلي لواجهة دماغ وحاسوب متاح تجارياً في العالم، وفقاً للنص. ويهدف الجهاز إلى المساعدة على تحسين الوظائف الحركية لليد.
ولم يتطلب الأمر سوى يومين بعد الموافقة حتى خصصت الجهات المعنية في منظومة الرعاية الصحية الصينية رمزاً للتأمين الطبي للمنتج، في خطوة تمهد الطريق أمام بيعه وتوسيع نطاق الاستفادة منه.
ويبرز هذا التطور أهمية الإجراءات التنظيمية والتغطية التأمينية في تحويل الابتكارات الطبية إلى منتجات متاحة للمرضى، بدلاً من بقائها محصورة في المختبرات والتجارب السريرية.
من علاج المرضى إلى الاستخدام اليومي
في موازاة الزرعات الطبية، تتوسع سوق الأجهزة غير التدخلية القابلة للارتداء، التي تنتج شركات مثل «برينكو» نماذج منها. وتبيع نحو 20 شركة حالياً أجهزة من هذا النوع في الصين، تشمل منتجات للمساعدة على النوم وأخرى تتيح التحكم في ألعاب إلكترونية باستخدام إشارات الدماغ.
وتُرتدى هذه الأجهزة عادة حول الرأس، وتعمل إما على قراءة الموجات الدماغية أو إرسال تيارات كهربائية إلى الدماغ. ويرى مسؤولون في القطاع أن السوق الاستهلاكية لهذه التكنولوجيا لا تزال تحمل فرصاً كبيرة لم تُستكشف بالكامل.
وتقول نيكس هي، من شركة «برينكو»، إن التحدي لم يعد يتمثل بالدرجة الأولى في العلم اللازم لصناعة هذه الأجهزة، بل في تطوير منتجات مفيدة وقادرة على تلبية احتياجات الناس في حياتهم اليومية.
وبينما تسعى الصين إلى تعزيز موقعها في سباق واجهات الدماغ والحاسوب، ستعتمد قدرتها على توسيع هذه الصناعة على تجاوز حدود الابتكار التقني، وإثبات القيمة العملية للمنتجات، وبناء ثقة المستهلكين بها. فالمنافسة المقبلة لن تُحسم فقط بمن يستطيع الاتصال بالدماغ، بل أيضاً بمن يستطيع تحويل هذه القدرة إلى استخدامات موثوقة ومقبولة تجارياً.
المصدر: “ذي إيكونوميست”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات