لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط مقتصرا على مآلات الصراع الأميركي الإيراني أو حدود المواجهة بين إسرائيل وخصومها، بل بات يتعلق بطبيعة النظام الأمني الذي يمكن أن يتشكل في المنطقة بعد هذه التحولات، فهل تمهد إعادة ترتيب موازين القوى لقيام تفاهم أمني عربي ـ أميركي ـ إسرائيلي، أم ستظل التناقضات التاريخية والسياسية عائقا أمام استقرار مستدام؟
كشفت الحروب والهجمات الصاروخية واضطرابات الملاحة والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية أن الأمن القومي أصبح جزءا من معادلة إقليمية مترابطة، تتجاوز الحدود الوطنية. كما أظهرت المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها على دول الخليج هشاشة بعض الافتراضات المتعلقة بفاعلية الردع والضمانات الأمنية. وأعادت الهجمات التي استهدفت الرياض خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026 تسليط الضوء على ثغرات الدفاع والإنذار المبكر وضرورة تعزيز التنسيق الإقليمي وحماية المنشآت الاستراتيجية.
في هذا السياق، يبرز احتمال تقاطع المصالح العربية والإسرائيلية ضمن إطار أوسع تقوده واشنطن، فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، إذا تحقق واستمر، قد يفتح المجال أمام تعاون في الدفاع الصاروخي وتبادل المعلومات الاستخبارية وتأمين الممرات البحرية ومواجهة الجماعات المسلحة، لكن المصالح المشتركة لا تتحول تلقائيا إلى تحالف دائم، إذ يتطلب ذلك توافقا بشأن أهداف المنظومة الأمنية وضماناتها وحدودها، مع مراعاة المصالح الوطنية المتباينة.
وقد تسعى الولايات المتحدة إلى بناء شبكة إقليمية تربط إسرائيل بعدد من الدول العربية، وتدمج قدراتها العسكرية والتكنولوجية والاستخبارية في إطار للردع، غير أن ذلك لا يعني وجود خطة موحدة لجميع مراحل الحرب وما بعدها، ولا يعني قبول العواصم العربية بمنظومة تتمحور حول الأولويات الإسرائيلية، فالدول العربية ليست كتلة متجانسة، بل تختلف تقديراتها للتهديدات ومصالحها الاقتصادية والجغرافية ورؤاها بشأن العلاقة مع إسرائيل.
لذلك، لا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام بمجرد جمع القدرات العسكرية أو افتراض أن مواجهة خصم مشترك كافية لتجاوز الخلافات، فقد يحقق التعاون مكاسب تكتيكية، لكنه يبقى هشا ما لم يستند إلى احترام السيادة وتوازن المصالح وضمانات متبادلة وآليات لتسوية الخلافات، تضمن مشاركة جميع الأطراف في صياغة قواعده.
ولا يمكن تجاهل إيران، التي أثارت برامجها الصاروخية والنووية وعلاقاتها بالجماعات المسلحة مخاوف إقليمية واسعة، لكن إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بها لا يضمن إنهاء نفوذها، في ظل ما تمتلكه من قدرات متبقية وأدوات حرب غير متكافئة وشبكات حلفاء إقليميين.
كما أن تراجع قوة طرف قد يدفع أطرافا أخرى إلى توسيع نفوذها، لينتقل التنافس من ساحة إلى أخرى بدلا من انتهائه. ومن ثم، فإن الاستقرار يتطلب الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية وإقامة آليات تحد من التصعيد وتمنع تحول الخلافات الى مواجهات مفتوحة.
وتحتل تركيا موقعا مهما ومعقدا في هذه المعادلة، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وتمتلك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وتسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي، في وقت تتنافس فيه مع إسرائيل في ملفات عدة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال دورها في كونه تهديدا، لأن المنافسة قد تتعايش مع فرص التنسيق، وفقا لحسابات المصالح المتداخلة. وأي منظومة تتجاهل الدور التركي أو تسعى إلى استبعاد القوى الإقليمية دون معالجة أسباب التنافس ستواجه صعوبات في تحقيق الاستقرار، خصوصا مع استمرار خطر الجماعات المسلحة والصراعات بالوكالة.
لكن القضية الفلسطينية تظل الاختبار السياسي الأشد حساسية لأي تقارب عربي إسرائيلي، فالتعاون الأمني، مهما اتسع، لا يعالج جذور الصراع ولا يحل محل تسوية تنهي الاحتلال وتضمن للشعب الفلسطيني حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. وقد أكدت السعودية مجددا في سبتمبر/ايلول 2026 أن حل الدولتين، على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، هو الطريق إلى سلام عادل ودائم.
ولا تمثل القضية الفلسطينية مجرد شرط سياسي يسبق التطبيع أو يرافقه، بل معيارا أساسيا لشرعية أي منظومة أمنية جديدة وقدرتها على اكتساب قبول المجتمعات العربية، فتجاهلها قد يوسع الفجوة بين الترتيبات الرسمية والبيئة السياسية والاجتماعية التي يفترض أن تضمن استمرارها. ومن دون أفق واضح لتسوية الصراع، سيظل أي تقارب عرضة للاهتزاز كلما تجددت المواجهات أو تراجعت الثقة بين الأطراف.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنشاء تحالف يواجه خصما مشتركا فحسب، بل في تحديد طبيعة الأمن المنشود، فإذا اقتصر على حماية طرف واحد وتعزيز تفوقه، فقد يحقق الردع، لكنه سيبقي دوافع الصراع قائمة.
أما إذا قام على احترام السيادة، وتبادل الضمانات، وحماية المصالح الحيوية، وتسوية النزاعات، والامتناع عن فرض الوقائع بالقوة، فقد يشكل نواة لترتيب إقليمي أكثر توازنا واستدامة.
لن يتحدد مستقبل الشرق الأوسط بمجرد تراجع قوة إيران أو اتساع التقارب العربي الإسرائيلي، بل بقدرة الأطراف على تحويل موازين القوى الجديدة إلى قواعد سياسية مقبولة ومتبادلة، فالأمن لا يقاس فقط بقدرة الدول على ردع خصومها، بل أيضا بقدرتها على بناء بيئة لا تستدعي حربا جديدة كلما اختل ميزان القوى.
ويبقى السؤال الاستراتيجي: هل يستطيع الشرق الأوسط الانتقال من تحالفات الضرورة إلى منظومة أمن إقليمي متوازن، تشارك فيها الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل، وتتفاعل معها بقية القوى الإقليمية، وتقوم على ضمان الأمن والسيادة ومعالجة جذور الصراع؟ أم أن غياب التسوية الفلسطينية واستمرار التنافس على النفوذ سيبقيان التقارب الأمني أسير المصالح الآنية، عاجزا عن التحول إلى سلام مستدام؟

التعليقات