التخطي إلى المحتوى

تقول الشاعرة المصرية نجلاء خليل في إهداء أحدث دواوينها: “عَلَى قَلَقِ الحُرُوفِ.. أُحِبُّكَ”:

“إِلَى النُّورِ الَّذِي كُلَّمَا لَامَسَ قَلْبِي أَزْهَرَتِ الحُرُوف.. إِلَى العُيُونِ الَّتِي تَتَّسِعُ لَهَا القَصِيدَة.. إِلَى النَّبْضِ الَّذِي يَسْبِقُنِي عَلَى الوَرَقِ وَيُصِيبُنِي بِالارْتِبَاك.. أَجْمَلُ مَا فِي الحُبِّ هُوَ الصِّدْق، وَأَصْدَقُ مَا فِيَّ.. أَنْت. إِلَيْكَ.. حَيْثُمَا كُنْت”.

وحينما نتأمل هذا الإهداء نجده يحمل شحنة عاطفية مكثفة ولغة شعرية بليغة تعكس عمق العلاقة بين الكاتب والمكتوب إليه، أو بين الشاعرة ومَن تهديه ديوانها، حيث تتداخل فيه مشاعر الحب بقدسية الكتابة وفعل الإبداع.

فالعنوان: “عَلَى قَلَقِ الحُرُوفِ.. أُحِبُّكَ” يدل على القلق وليس الخوف، إنه “قلق الإبداع”؛ تلك الحالة من الترقب والاضطراب التي تسبق ولادة القصيدة أو الكلمة. الشاعرة تعترف أن حبها ليس راكدًا، بل هو حب حيّ، نابض، ومحفّز للكتابة.

إنها تربط بين الحب والكتابة، وترى أن الحب هو المحرك الأساسي الذي يجعل الحروف في حالة مخاض مستمر.

يتحرك هذا الإهداء عبر ثلاثة محاور متدرجة (من البصر، إلى البصيرة، ثم إلى الجسد والورق).

تقول الشاعرة: “إِلَى النُّورِ الَّذِي كُلَّمَا لَامَسَ قَلْبِي أَزْهَرَتِ الحُرُوف”. هنا “المحبوب” ليس مجرد شخص، بل هو “كائن نوري” ومصدر للإلهام. ونلاحظ المقابلة بين (اللمس) و(الازدهار) حيث تتحول الحروف من جماد إلى كائن حي ينمو ويورق بفضل هذا الحب.

وفي قولها: “إِلَى العُيُونِ الَّتِي تَتَّسِعُ لَهَا القَصِيدَة” نرى صورة بلاغية مدهشة؛ فالقصيدة عادة هي التي تتسع للعالم، لكن عيون المحبوب هنا أكبر وأرحب من القصيدة ذاتها. وكأن عيني المحبوب هما المدى اللامتناهي الذي يحاول الشاعر احتواءه بالكلمات فلا يستطيع.

وفي قولها: “إِلى النَّبْضِ الَّذِي يَسْبِقُنِي عَلَى الوَرَقِ وَيُصِيبُنِي بِالارْتِبَاك” نرى أن هذا السطر يعبر عن حالة “الوجد” والارتباك الصادق. فنبض القلب أسرع من حركة القلم؛ والشاعرة تكتب بدمها ومشاعرها قبل أصابعها، وهذا العجز الصادق أمام هيبة المحبوب يسبب “الارتباك” المحبب لقلب كل عاشق.

وفي قولها: “أَجْمَلُ مَا فِي الحُبِّ هُوَ الصِّدْق، وَأَصْدَقُ مَا فِيَّ.. أَنْت”. تنتقل الشاعرة من المجاز والشعر إلى الحكمة والحقيقة المطلقة. ونرى عملية تماهٍ كاملة مع المحبوب؛ فإذا كان الصدق هو أسمى قيم الحب، فإن المحبوب قد تحول ليصبح هو ذاته “هوية الشاعرة الحقيقية” وجوهر صدقها.

وفي خاتمة الإهداء تقول الشاعرة: “إِلَيْكَ.. حَيْثُمَا كُنْت” وهي خاتمة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وإقرار بأن هذا الحب لا يخضع للمسافات أو الفراق؛ فالمحبوب حاضر في وعي الشاعرة وروحها، سواء كان قريبًا أو غائبًا.

إن الإهداء ليس مجرد كلمات مجاملة، بل هو بيان شعري في تقديس المحبوب. لقد نجحت الشاعرة في جعل “الكتابة” و”الحب” وجهين لعملة واحدة؛ فلا كتابة بلا حب، ولا حب دون أن تزهو به الحروف وتضطرب.

إن هذا الإهداء بدقة وعذوبة كهذه يفتح شهية قراءة قصائد الديوان الجديد للشاعرة نجلاء خليل.

يذكر أن نجلاء خليل باحثة دراسات عليا بأكاديمية الفنون المعهد العالي للنقد الفني، وعضو اتحاد كتاب مصر، ومحاضر مركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وعضو رابطة الأدب الحديث، وعضو ندوة شعراء العروبة، وعضو مجلس إدارة نادي أدب الأنفوشي، حائزة على جائزة مؤسسة تازا الثقافية بالمغرب، وشهادات تقدير من رابطة شعراء العروبة، ورابطة الأدب العربي الحديث.

صدر لها: نوارس الحنين (نصوص نثرية)، ومشاعر عارية (نصوص)، ولآلئ، وليتك تمطر (قصائد نثر)، وتجليات روح (نصوص صوفية)، وحنين زاجل (رسائل)، ورسائل خاصة لسيدة الوجد (رسائل)، وعقيق حائر (رسائل)، وفي حضرة الهيام (حاصل على جائزة المستشار صالح شرف الدين التي ينظمها اتحاد كتاب مصر)، وما بيننا خطوتان (مزامير)، وسفر الوجد والتجلي (قصائد صوفية مصاحبة لنقد لوحات تشكيلية)، وضفاف السر (قصائد نثرية).

ولها ترجمة أدبية في موسوعة الشعر المصري الفصيح عن الفترة 1954 إلى 2024 للموثقة المغربية الشاعرة فاطمة بوهراكة، وترجمة في موسوعة الشعر العربي من ضمن أشهر شاعرات الوطن العربي 1950/2020 خمسين عامًا. وكتب عنها العديد من النقاد والمبدعين والأساتذة الأكاديميين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *