
تزايدت التوقعات باتجاه تشديد السياسة النقدية الأمريكية خلال الأشهر المقبلة، بعد صدور بيانات تضخم أعلى من المتوقع، ما عزز الرهانات على استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة حتى مارس 2027، رغم اختلاف تقديرات المؤسسات المالية بشأن توقيت الزيادات المقبلة وعددها.
ويتوقع كريس زاكاريلي، من شركة «نورثلايت لإدارة الأصول»، رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال ديسمبر المقبل، مع ترجيح تثبيتها في اجتماع أكتوبر، بينما عدّلت «UBS لإدارة الثروات» توقعاتها لتشمل زيادة إضافية في مارس 2027، في وقت تشير فيه تسعيرات الأسواق إلى مسار أكثر تشددًا.
بيانات التضخم تعزز احتمالات رفع الفائدة
يرى زاكاريلي أن استمرار ارتفاع التضخم فوق التوقعات قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى زيادة أسعار الفائدة في ديسمبر، بينما يرجح الإبقاء عليها دون تغيير خلال اجتماع 27 و28 أكتوبر، في ظل قرب موعد الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر.
وأشار إلى أن أسواق الأسهم قد تتمكن من التماسك أمام ارتفاع تكاليف الاقتراض، إذا استمر النمو الاقتصادي وظلت أرباح الشركات قوية، رغم احتمالات حدوث تقلبات قصيرة الأجل بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالانتخابات.
وتظل هذه التقديرات آراء تحليلية لا تمثل قرارًا رسميًا من الاحتياطي الفيدرالي، الذي يحدد توجهاته وفق البيانات الاقتصادية المتاحة.
UBS تتوقع استمرار التشديد النقدي حتى مارس 2027
رفعت «UBS لإدارة الثروات» توقعاتها لتشمل ثلاث زيادات في أسعار الفائدة خلال دورة التشديد الحالية، بدأت إحداها في سبتمبر 2026، مع توقع زيادتين إضافيتين في ديسمبر ومارس المقبلين، قبل تثبيت المعدلات حتى أواخر 2027.
وأوضحت المؤسسة أن استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات يعزز احتمالات بقاء السياسة النقدية الأمريكية متشددة لفترة أطول، بهدف احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار توقعات الأسعار.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي بنسبة 0.65% على أساس شهري و3.7% سنويًا، بينما سجل المؤشر الأساسي زيادة شهرية بلغت 0.33% وسنوية عند 2.6%، متجاوزًا التوقعات.
الطاقة والذكاء الاصطناعي يضيفان ضغوطًا على الأسعار
ساهم ارتفاع أسعار الطاقة في دفع التضخم إلى مستويات أعلى، إذ زادت أسعار البنزين بنحو 9.5%، وسط مخاوف بشأن إمدادات الشرق الأوسط، كما ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بنسبة 1.2% نتيجة زيادة تكاليف وقود الطائرات.
وامتدت الضغوط إلى قطاعات أخرى، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وزيادة تكاليف بعض منتجات التكنولوجيا والإلكترونيات، وسط تأثيرات مرتبطة بالعرض والطلب على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
كما سجلت خدمات أساسية، بينها السفر والإقامة الفندقية، زيادات إضافية، ما يعزز المخاوف من اتساع نطاق التضخم بدلًا من اقتصاره على الطاقة.
وتشمل المخاطر التي تراقبها الأسواق اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، واستمرار الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن السياسة التجارية الأمريكية.
ثلاثة سيناريوهات لمسار أسعار الفائدة
تختلف توقعات المؤسسات المالية والأسواق بشأن المسار المقبل للفائدة الأمريكية. فبينما يرى مسؤولون في الاحتياطي الفيدرالي إمكانية الاكتفاء بزيادة إضافية واحدة خلال العام الحالي، تتوقع UBS زيادتين إضافيتين في ديسمبر ومارس، في حين تسعّر الأسواق مسارًا أكثر تشددًا.
وتشير تقديرات السوق الواردة في التقرير إلى أن احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر ارتفعت عقب بيانات التضخم، لكنها لا تزال أقل من احتمالات الزيادة في ديسمبر، التي اقتربت من أن تكون محسومة في تسعيرات المتعاملين.
وتوقعات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي المنشورة في سبتمبر أظهرت أن 8 من أصل 18 مسؤولًا يرجحون زيادة إضافية خلال 2027، وهو ما يعكس استمرار الانقسام بشأن الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية في العام المقبل.
كيف تتأثر الأسهم والذهب والدولار؟
قد تواجه الأسهم الأمريكية ضغوطًا إذا أدى استمرار رفع الفائدة إلى زيادة تكاليف التمويل، خاصة أسهم التكنولوجيا والشركات التي تعتمد على الاقتراض لتمويل توسعاتها. ومع ذلك، يمكن أن يدعم استمرار النمو الاقتصادي وأرباح الشركات قدرة السوق على تحمل مستويات الفائدة المرتفعة.
أما الذهب، فتتوقف تحركاته بدرجة كبيرة على مسار عوائد السندات والدولار؛ إذ قد تؤدي توقعات التشديد النقدي إلى الضغط على المعدن النفيس، بينما يمنحه تراجع العوائد دعمًا إضافيًا.
وفي سوق العملات، قد تدعم توقعات رفع الفائدة الدولار والعوائد قصيرة الأجل، بينما تظل العوائد طويلة الأجل متأثرة بعوامل أخرى، من بينها الطلب على الأصول الآمنة وتطورات سوق سندات الخزانة الأمريكية.
اجتماعات الفيدرالي المقبلة تحت المراقبة
تترقب الأسواق عددًا من المحطات الاقتصادية المهمة، في مقدمتها بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي، وقرار الفيدرالي المقرر يومي 27 و28 أكتوبر، إلى جانب بيانات التضخم لشهر أكتوبر المقرر صدورها في نوفمبر.
كما تكتسب كلمة رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقررة في 16 أكتوبر أهمية خاصة، قبل اجتماع ديسمبر المنتظر في التاسع من الشهر نفسه، والذي قد يحدد بصورة أوضح اتجاه السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
وتبقى القرارات النهائية مرتبطة بتطورات التضخم وسوق العمل والنشاط الاقتصادي، في ظل سعي البنك المركزي الأمريكي إلى كبح ارتفاع الأسعار دون إلحاق أضرار كبيرة بالنمو.

التعليقات