
تتصاعد الضغوط على الأسهم العالمية مع تجدد المخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي، بعدما بدأت موجة البيع تضرب أسهم التكنولوجيا في الأسواق الآسيوية، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الإنفاق الضخم على هذه التكنولوجيا على تحقيق عوائد تتناسب مع التقييمات المرتفعة للشركات.
وفي المقابل، اتجه المستثمرون إلى سندات الخزانة الأميركية، مستفيدين من تزايد الطلب على الأصول الآمنة في أوقات اضطراب الأسواق.
وتراجعت مؤشرات الأسهم الآسيوية بصورة ملحوظة، مع انتقال الضغوط من وول ستريت إلى أسواق المنطقة، في وقت تراجعت فيه العقود المستقبلية للأسهم الأميركية والأوروبية، بما يعكس استمرار حالة الحذر بين المستثمرين مع اقتراب موسم إعلان نتائج الشركات الأميركية.
الأسهم الآسيوية تحت ضغط موجة البيع
انخفض مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 1.7%، متجهًا نحو تسجيل أدنى مستوى إغلاق له منذ أغسطس. وكان التراجع أكثر حدة في كوريا الجنوبية، حيث هبط مؤشر «كوسبي» بنسبة 6.2%، متأثرًا بالمخاوف المتعلقة بتصاعد المنافسة الصينية وانعكاساتها على شركات التكنولوجيا.
وامتدت الخسائر إلى كبار منتجي الرقائق الإلكترونية، إذ تراجع سهما «إس كيه هاينكس» و«سامسونج إلكترونيكس» بنحو 8% لكل منهما في سوق سيؤول، بينما تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط بيع مماثلة في طوكيو وتايبيه.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب موجة هبوط شهدتها الأسواق الأميركية، دفعت مؤشر «ناسداك 100» إلى أدنى مستوياته خلال الشهر، كما تراجع مؤشر أميركي لأسهم شركات الرقائق إلى أضعف مستوياته منذ منتصف سبتمبر، في إشارة إلى اتساع نطاق القلق بشأن مستقبل القطاع.
لماذا يتراجع الحماس لأسهم الذكاء الاصطناعي؟
تزامن تراجع الأسهم مع اقتراب موسم نتائج الشركات الأميركية، وهو ما يضع استثمارات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على تحقيق أرباح فعلية تبرر الارتفاعات الكبيرة في أسعار الأسهم.
وتزايدت تساؤلات المستثمرين بشأن جدوى الإنفاق الضخم على تطوير هذه التكنولوجيا وتوسيع البنية التحتية اللازمة لها، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الاقتراض. فالشركات مطالبة بتحويل الاستثمارات الكبيرة إلى إيرادات وأرباح ملموسة، في حين أصبحت التقييمات المرتفعة أكثر عرضة للتأثر بأي نتائج تقل عن توقعات السوق.
وكان مؤشر «إس آند بي 500» قد ارتفع بنحو 120% من أدنى مستوياته المسجلة في عام 2022، بعد موجة صعود استمرت أربع سنوات. لكن المكاسب الكبيرة رفعت تقييمات الأسهم، ما يزيد حساسيتها تجاه أي إشارات سلبية في نتائج الشركات أو توقعاتها المستقبلية.
وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من أن تكون بعض الرهانات على الذكاء الاصطناعي قد سبقت قدرة الشركات على تحقيق العوائد المنتظرة، وهو ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية وتقليص انكشافهم على أسهم التكنولوجيا.
سندات الخزانة الأميركية تستفيد من تراجع الأسهم
على الجانب الآخر، ساهمت خسائر الأسهم وانخفاض أسعار النفط في دعم سندات الخزانة الأميركية، مع توجه المستثمرين إلى أدوات استثمارية يُنظر إليها باعتبارها أكثر أمانًا خلال فترات التقلب.
وانخفض العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بمقدار خمس نقاط أساس إلى 5.19%، بالتزامن مع استئناف التداولات النقدية عقب عطلة رسمية.
كما تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.1% إلى نحو 105.45 دولار للبرميل، في تحرك تزامن مع اضطراب أسواق الأسهم وزيادة الطلب على السندات.
ويعكس هذا التحول اختلافًا في توجهات المستثمرين بين الأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها أسهم التكنولوجيا، والأدوات التي يفضلونها للتحوط عندما تتزايد الضبابية بشأن مسار الأسواق.
تحذيرات من المبالغة في رهانات الذكاء الاصطناعي
ووصف كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث لدى شركة «بيبرستون»، معنويات السوق بأنها سلبية إلى حد ملحوظ، مشيرًا إلى أن المشترين يتراجعون إلى الهامش، بينما يجد البائعون مقاومة محدودة تدفع الأسعار إلى مزيد من الانخفاض. وأضاف أن البائعين أصبحوا أصحاب اليد العليا في معظم التداولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتصاعدت التحذيرات من طبيعة الاستثمارات في هذا القطاع، وكان أحدثها من هوك تان، الرئيس التنفيذي لشركة «برودكوم»، الذي قال يوم الإثنين إن طفرة الذكاء الاصطناعي جذبت مستثمرين تشبه استراتيجياتهم استراتيجيات المقامرين، في إشارة إلى أن بعض المشاركين في السوق قد لا يدركون بصورة كافية طبيعة المخاطر التي يتحملونها.
من جانبه، حذر الملياردير راي داليو الأسبوع الماضي من أن الذكاء الاصطناعي يمثل، بحسب وصفه، «فقاعة تقليدية» تقترب من نقطة الانفجار، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة والحاجة إلى تحويل الثروات إلى سيولة نقدية.
ويرى غارفيلد رينولدز، رئيس فريق «ماركتس لايف» لدى بلومبرغ، أن الشكوك المتزايدة بشأن طفرة التكنولوجيا، بالتزامن مع استمرار الصراع وارتفاع أسعار النفط، قد تهدد مكاسب الأسهم القيادية في آسيا التي سجلت أداء قويًا في وقت سابق من العام رغم صدمات الطاقة المرتبطة بحرب إيران.
وتضع هذه التطورات سوق الأسهم أمام اختبار مهم: هل تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي إثبات أن الاستثمارات الضخمة ستتحول إلى أرباح مستدامة، أم أن ارتفاع التقييمات جعل القطاع أكثر عرضة لتصحيح واسع؟ وتظل نتائج الشركات المقبلة وقدرتها على تلبية توقعات المستثمرين من أبرز العوامل التي ستحدد اتجاه التداولات خلال الفترة المقبلة.

التعليقات