التخطي إلى المحتوى

أما المسرح، فتراه فضاءً مختلفًا يتيح مساحة أوسع للتطهير الأرسطي، لأنه لا يكتفي باللغة، بل يفتح المجال أمام الجسد والصوت والصورة والحركة، ويمنح النص القدرة على مناقشة قضايا اجتماعية وسياسية وإنسانية من خلال الفعل الدرامي.

وتشرح مشراح أن الشعر في تجربتها لا يخلو من السرد، بل يحمل في داخله بنية سردية تتشكل من مشهد يتطور، وشخصيات تتوارى خلف اللغة، وزمن يتحرك داخل القصيدة. وتعد هذا التسلسل المشهدي من أهم مقومات نجاح النص الشعري بالنسبة إليها. وفي المقابل، تلوح اللغة الشعرية بين سطور السرد، فتتكفل بتكثيف لحظة أو منح المشهد دلالة تتجاوز الحدث نفسه.

ويمتد هذا التداخل إلى المسرح، الذي يجمع بين السرد والشعر والصوت والصورة، ويضعها أمام العين والأذن والجسد في اللحظة نفسها. ومع ذلك، تشدد على أن تداخل الأجناس الأدبية لا يعني إلغاء حدودها، لأن لكل جنس منطقه وأدواته وألقه الخاص.

ويحتل الوطن مكانة مركزية في رؤية مشراح، التي ترى أنه يتجاوز حدود المكان الجغرافي. وتؤكد أن التنوع الجغرافي والثقافي الذي عاشته صنع في داخلها وطنًا خاصًا لا تحدّه الخرائط، وتحكمه قيم التسامح واحترام الإنسان.

وتستعيد الشاعرة ذكريات طفولتها في الاتحاد السوفييتي، مشيرة إلى أن الحنين يحيط بها كلما تذكرت تفاصيل تلك المرحلة وذكرياتها التي لا تزال تسكنها، قبل أن تستحضر اليمن، موطنها الذي عاشت فيه سنوات من عمرها، وتواجه أشباح الحرب التي تحاصر ذاكرتها. وتضيف أن الكتابة في زمن الحرب تصبح مسؤولية أخلاقية، لأن الشاعر يظل صوت شعبه حتى إن كان بعيدًا عن الوطن، ويحمل في كلماته شيئًا من وجع الناس وذاكرتهم.

وتختصر هذه العلاقة المركبة بقولها إن الوطن يتحول أحيانًا إلى ذاكرة، وأحيانًا إلى حنين، وأحيانًا إلى سؤال مؤلم عن المكان الذي ننتمي إليه حقًا. وحين تجلس تحت غيمة النزوح والشتات، يحاصرها التيه، فتجد نفسها تحمل أكثر من وطن وأكثر من ذاكرة، وتبحث في الكتابة عن وطن لا تستطيع الخرائط تحديد حدوده.

وتقر بأن الشتات جعلها أكثر التصاقًا بالحنين، وأكثر حساسية تجاه الأمكنة وتفاصيلها الصغيرة. فقد أصبحت نصوصها مشبعة بالحنين إلى الوطن، وتسللت مشاعر الحزن والوحدة والاغتراب إلى قصائدها، حتى لم يعد المكان مجرد خلفية للنص، بل تحول إلى شخصية حاضرة تحمل ذاكرتها وحنينها وأسئلتها عن الانتماء.

وتوضح أن البعد جعلها ترى الوطن بصورة مختلفة؛ فحين يبتعد الإنسان عن المكان الذي نشأ فيه، لا يعود المكان مجرد جغرافيا، بل يتحول إلى ذاكرة تسكنه، ويزداد حضوره في الكتابة كلما ازدادت المسافة بينه وبينه.

وفي حديثها عن التراث الشعري العربي، ترفض مشراح مساواة المحافظة على الأشكال الموروثة بالجمود، مؤكدة أن الشاعر ابن بيئته وزمنه، وأنه ليس من المعقول أن يكتب شاعر حداثي قصيدة يصف فيها رحلته على الناقة ووقوفه على الأطلال لمجرد الالتزام بالتقاليد الشعرية. وترى أن قصيدة العمود المعاصرة ينبغي أن تعبر عن حياة الإنسان اليوم وتفاصيلها البسيطة، مشيرة إلى أن كاتب قصيدة العمود يستطيع أن يكون حداثيًا في رؤيته من دون التخلي عن الأشكال الموروثة.

وتشدد على أن العالم المتغير لا يناسبه استخدام قوالب جامدة، كما لا يمكن التعبير عن عالم فانتازي ومتخيل بلغة عادية تفتقر إلى الابتكار الفني. فالشعر الحقيقي، وفق رؤيتها، هو الذي يحافظ على صلة النص بجذوره، ويمنحه في الوقت نفسه روح عصره.

وتفسر جمعها بين شعر العمود وقصيدة النثر بأن الحالة الشعورية هي التي تختار الشكل الذي تتشكل به القصيدة على الورق، تمامًا كما يختار الإنسان ملابسه بما يلائم المناسبة التي يذهب إليها. وتوضح أن قصيدة العمود تحتاج إلى الموسيقى والجزالة وجماليات متعددة، في حين يحتاج النص النثري إلى الجنون والتحرر والسمو والاختزال والتلميح.

وتبدي مشراح موقفًا نقديًا من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في المشهد الشعري، إذ ترى أنها أسهمت في انتشار الاستسهال، وظهور أسماء كثيرة لا تمت إلى الشعر بصلة، رغم اعترافها بأن هذه الوسائل حررت الشعر من بعض الحواجز المؤسسية، وأتاحت لأصوات متعددة الوصول إلى القراء من دون المرور بالصحف والمجلات والمؤسسات الثقافية.

لكنها تشير إلى أن الوجه الآخر لهذه الحرية يتمثل في غياب الوسيط النقدي؛ إذ أصبح بإمكان أي شخص نشر نص في لحظة وتحقيق انتشار واسع قبل أن يخضع النص لاختبار نقدي أو جمالي. كما تحول عدد المشاهدات والإعجابات، في حالات كثيرة، إلى معيار للقيمة الأدبية، وهو ما يجعل النص المشهور ليس بالضرورة نصًا جيدًا، فيما قد يظل نص عظيم بعيدًا عن دائرة الاهتمام ولا يحظى إلا بعدد قليل من القراء.

وفي تقييمها للوسط الثقافي، تتوقف عند المجاملات وغياب النقد الحقيقي، مؤكدة أن المجاملة حين تحل محل النقد تضر بالمبدع أكثر مما تخدمه، لأن الكاتب يحتاج إلى من يضيء مواطن القوة والخلل في تجربته، لا إلى من يكتفي بالتصفيق. وتربط ذلك بغياب المؤسسات الثقافية القادرة على جمع الأدباء ورعاية نتاجهم وتوفير مساحات حقيقية للظهور والتفاعل والتطور، مشددة على الحاجة إلى مؤسسات تؤمن بالمبدع وتتعامل مع الأدب بوصفه مشروعًا ثقافيًا مستمرًا.

وفيما يتعلق بالكتابة النسوية، ترى مشراح أن امتلاك المرأة صوتًا شعريًا مستقلًا يمثل فعلًا تحرريًا في حد ذاته، بصرف النظر عن تناولها قضايا المرأة مباشرة، لأن الأنوثة لا تفرض موضوع الكتابة. وتلفت إلى أنها كتبت عددًا من النصوص في هذا السياق، من بينها نص طويل بعنوان “موءودة الحلم”، وتستشهد بمقطوعة شعرية تخاطب فيها الرجل الشرقي، وتدافع عن حرية المرأة وحقها في امتلاك صوتها وأحلامها بعيدًا عن القمع والقيود:

أيُّهَا الشَّرْقِيُّ إنِّي.. نَوْرَسٌ حُرٌّ طَلِيقْ

لا تُمَارِسْهَا رَجَاءً.. سُلْطَةَ الْقَمْعِ الْعَتِيقْ

لا تُكَسِّرْ لِي جَنَاحِيَ الْأبْيَضَ الْحُلْوَ الْأَنِيقْ

لَا تُطَالِبْنِي بِشِعْرٍ.. دُونَ رُوحٍ أَوْ بَرِيقْ

لَمْ أُعَذِّبْهَا حُرُوفِي.. بِقُيُودٍ لَا تَلِيقْ

قَبْلَ أَنْ تَغْدُو حَبِيبِي.. كُنْ لِأَحْلَامِي صَدِيقْ

لَا تَكُنْ سِجْنًا لِقَلْبِي.. بَلْ فَضَاءً لَا يَضِيقْ

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *