التخطي إلى المحتوى

حين انهارت إمبراطورية الإنكا، بعدما نهبها الإخوة بيزارو ورجالهم وأخضعوها للتدمير، سرت شائعة بين الهنود مفادها أن ثمة مملكة أصلية ثالثة، تفوق المملكتين السابقتين ثراء وقوة. وربما كانت هذه المملكة قد أعيد بناؤها من ثروات هائلة أخفاها الإنكا عند سقوط كوسكو. وكان يحكمها رجل من نبلاء الهنود، زعمت الروايات أنه بلغ من الثراء حدًّا يجعله يكسو جسده برقائق الذهب حتى يغدو ذهبيّ اللون من رأسه إلى أخمص قدميه. وما اسم هذا الرجل؟ “المذهَّب”، أو بالإسبانية “إل دورادو” (El Dorado). وظلت الشائعة تتناقلها الألسن على مدى عقود، فتنتقل من أفواه الخائفين إلى آذان الطامعين، وتُتخذ ذريعة لتنظيم حملات استكشافية طائشة، أزهقت أرواحا كثيرة وخلفت وراءها مارا واسعا. وكثير من الذين عادوا أحياء من تلك الحملات، وقد خجلوا من الرجوع خاليِي الوفاض بعد ما أنفقوه من أموال طائلة، لم يترددوا في إضافة مبالغاتهم إلى الأساطير المتداولة. ذهب وفير لا ينفد! وثروات لا تحتاج إلا إلى من يمد يده إليها! هناك، في أقصى البعيد، رأى أحدهم الجبل، أو المدينة، أو حضارة الذهب. وما على المرء إلا أن يجهز حملة جديدة، أكبر عددا، وأحسن توجيها، وأوفر حظا، حتى يصبح الثراء مضمونا! فطريق الذهب مفتوح أمام المغامرين. وهناك، في تلك المساحة البيضاء على الخريطة، تكمن جوهرة الهنود.

ولم تكن الأسطورة منفصلة عن ذكريات ثراء الإنكا، فلقد اختلطت بها أصداء تقاليد أقدم عهدا. وكان الهنود يدركون جيدا الخطر الذي يمثله هؤلاء الغزاة القادمون من وراء البحار، فاستغلوا الحكاية لصرفهم عن أراضيهم، وحثّوهم على التوغل بعيدا، والمضي قدما في البراري بحثا عن الثروة. أما الغزاة الإسبان، فقد دفعهم الجشع والسذاجة إلى الاعتقاد بأنهم قادرون، مثل أبطال الجيل السابق، على صنع مجدهم في قلب الأدغال، وأنهم سيبلغون حتما الذهب الموعود. لكن كثيرا منهم ضلوا طريقهم في غابات موبوءة، وممرات تسدها الأحراج الكثيفة، ومستنقعات موحلة غامضة. ومع ذلك، لم تؤدِّ إخفاقاتهم إلى وقف تدفق المغامرين على الفور. فأوروبا كانت لا تزال تعيش على وقع حمى المعادن النفيسة، بعدما عانت طوال العصور الوسطى شحًّا طويلا في الذهب، وظلت تعتمد زمنا مديدا على ما يصلها عبر البندقية، التي كانت بدورها تستمد إمداداتها من قوافل الصحراء الكبرى وطرق التجارة الشرقية. 

وفي القرن الخامس عشر، أسهم البرتغاليون، بفتح طرق تجارية بمحاذاة السواحل الإفريقية، وأسهمت القوى الإمبراطورية باستغلال مناجم الفضة في بوهيميا، في إعادة المعادن النفيسة إلى أوروبا بعد انقطاع طويل. غير أن ذلك لم يكن ليقارن بالاكتشافات الثلاثة المتعاقبة التي حققها الإسبان، والتي قلبت الاقتصاد الأوروبي رأسا على عقب خلال أربعين عاما فحسب. وقد أثارت أصداء تلك الفتوحات المذهلة شهية كثير من صغار النبلاء في قشتالة، وأشعلت في نفوسهم الرغبة في خوض مغامرات الغزو. فاستغلال جزر الكاريبي بين عامي 1490 و1520، ثم المكسيك ابتداء من عام 1520، والبيرو ابتداء من عام 1530، إلى جانب فتح مناجم جديدة واكتشاف عروق معدنية أخرى، كل ذلك بعث آمالا عريضة لدى المغامرين. وبدا لهم أن ثمة كنزا آخر لا بد أن يقع في أيديهم. صحيح أن اختراق القارة كان عسيرطا، وكأنها تتعمد إخفاء أسرارها، لكن المجتمعات الهندية بدت ضعيفة، يسهل إخضاعها والسيطرة عليها. وهكذا تداخل الطمع مع إغراء المغامرة، وانتهت حملات كثيرة إلى الضياع، بعدما انطلقت في طلب معجزات لم تكن في حقيقتها سوى أوهام وسراب.

ومع ذلك، تركت أسطورة إلدورادو أثرا عميقا في المخيلة الأوروبية. فبعد عقود من المحاولات الفاشلة والخيبات المتكررة، أدرك الأوروبيون أن تلك الإمبراطورية الخفية لم تكن سوى أسطورة تعمّد الهنود ترويجها. وقد امتزجت فيها روايات السكان الأصليين بذكريات ثراء الإنكا، فضلا عن عناصر رمزية وأسطورية. فلم تكن هناك مملكة ثالثة يمكن غزوها، ولا دولة أخرى تنتظر من ينهبها، ولا مجتمع عظيم ثالث يمكن إخضاعه واستعباده. ولم يكن الحظ ليمنح المغامرين ثروة جديدة للمرة الثالثة. وهكذا انتهى عصر الفتوحات بسلسلة من الحملات التي تاهت في الأدغال، ثم تلاشت وابتلعتها غابات الأمازون الكثيفة. أما أغيري، الذي انتهى وحيدا على طوفه، فقد كان بوسعه أن يصرخ ما شاء في ذلك الامتداد الأخضر الشاسع، لكنه وصل متأخرا إلى زمن الفتوحات، ولم يكن مصيره سوى الهزيمة. ومع ذلك، لم يقضِ هذا الإخفاق التاريخي على الاعتقاد بأن القارة الجديدة تخفي ثروات معدنية لم تُستغل بعد، وأن الاستيلاء عليها كفيل بإثراء الأفراد والدول على السواء. وظل هذا الاعتقاد حيا، وواصل انتشاره.

ليس كتاب برنار لافاليه “إلدورادات أميركا” Eldorados d’Amérique تأريخا لأسطورة إلدورادو في حد ذاتها، إنه دراسة لتجارب “إلدورادو” المتعددة بوصفها وقائع تاريخية؛ أي لموجات الهوس بالثروة التي كانت تجتاح المجتمعات الاستعمارية والعواصم الأوروبية بين حين وآخر، وتبعث الأمل في تحقيق الثراء السريع، وربما من دون عناء يُذكر. ويذكّرنا هذا الكتاب، الذي يقوم على بناء منطقي محكم ويولي اهتماما خاصا للجوانب الإدارية للغزو والاستعمار، بأن الذهب والفضة اللذين كانت الشعوب الأصلية تصنع منهما حليّها وتجمعهما في كنوزها لم يقتصرا على إثارة أحلام الغزاة بالفتح، وإنما كشفا أيضا عن وجود مناجم غنية يسهل الوصول إليها واستغلالها نسبيا، بالنظر إلى محدودية الوسائل التقنية المتاحة للسكان المحليين آنذاك. وسرعان ما استُنفدت المناجم القليلة التي استغلها الهنود، فيما أخذ المنقبون يجوبون سلاسل الجبال والمرتفعات بحثا عن إلدورادو الحقيقية: مملكة المعادن النفيسة الكامنة في باطن الأرض، التي لم تمتد إليها يد الاستغلال بعد. وتوالت الاكتشافات على مدى أربعة قرون، من الاستيلاء على جزر الأنتيل إلى النهاية المخيبة لحمى الذهب في كلوندايك. ففي المكسيك والبيرو، تكاثرت المناجم وآبار التعدين خلال سنوات قليلة من الغزو. وكلما نضب عرق معدني، حل محله آخر، فتجددت حمى البحث عن الثروة في أوروبا والمستعمرات. غير أن اهتمام برنار لافاليه ينصب على الوقائع أكثر مما ينصب على التصورات والتمثلات؛ فهو لا يسعى إلى تتبع أسطورة إلدورادو بقدر ما يسعى إلى تقديم عرض شامل للجوانب الإدارية والاقتصادية لاستغلال المناجم في الأمريكتين. وقد يشعر القارئ الذي يتطلع إلى قصص المغامرة والمآسي بخيبة أمل، لأن الكتاب لا يمنح الحملات الضائعة والتصورات الخاطئة إلا حيزا محدودا، لكنه سيجد فيه، مع ذلك، عرضا تحليليا مفيدا لموجات الهوس الست الكبرى بالمعادن النفيسة التي عرفتها القارة: جزر الأنتيل، والمكسيك، والبيرو، والبرازيل، وكاليفورنيا، وكلوندايك.

وتتشابه موجات التهافت الثلاث الأولى على الذهب في عدد من السمات. فقد قادها مستثمرون إسبان يعملون في المستعمرات بموجب عقود مع التاج، ويتحملون من أموالهم الخاصة مخاطر الاستكشاف. وكانت هذه الحملات تمر بخمس مراحل متعاقبة: يكتشف الإسبان مجتمعا من السكان الأصليين، ثم يعقدون مع زعمائه صفقات يتبادلون فيها بعض الثروات بشروط مجحفة وغير متكافئة، قبل أن يخضعوا ذلك المجتمع للغزو، ويبحثوا عن أهم المكامن المعدنية الواعدة، ثم يستغلوها مستعينين بأيدي السكان المحليين. وحين تتناقص أعداد هؤلاء بفعل ظروف العمل المروعة والأوبئة التي جلبها الأوروبيون معهم، يلجأ المستعمرون إلى استقدام العبيد من مناطق أخرى في القارة أو من إفريقيا.

وهكذا، وفرت جزر الأنتيل، التي شكلت مختبرا مبكرا للاستعمار، للتاج الإسباني ما بين خمسة عشر وعشرين طنا من الذهب خلال عشرين عاما، لكن هذه الثروة تحققت على حساب مجتمعات السكان الأصليين التي أوشكت على الاختفاء تماما؛ إذ يُرجح أن أعداد أفرادها انخفضت بنسبة 90 في المئة بين عامي 1490 و1520. وحين نضبت المناجم، اضطرت الجزر، التي باتت تعاني نقصا حادا في السكان، إلى تغيير نمط نشاطها الاقتصادي. ولم تعد ثروتها قائمة على ما تختزنه الأرض من معادن، ولكن على زراعة قصب السكر واستغلاله.

أما في المكسيك والبيرو، فقد حال العدد الأكبر من السكان الأصليين دون اختفائهم تماما من القارة. لكن ذلك لم يمنع المستعمرين من إخضاعهم لاستغلال بالغ القسوة والوحشية. فقد فرضت عليهم حصص إنتاج يستحيل عليهم أحيانا بلوغها، وأُفرغت القرى الهندية من رجالها القادرين على العمل لإرسالهم إلى المناجم التي كانت تبتلعهم بلا رحمة. وكان عمال المناجم يعانون أصلا قِصر متوسط العمر المتوقع، ثم زادت معاناتهم بسبب استهلاك الكحول والتعرض المتكرر للزئبق المستخدم في استخراج الفضة. وهكذا لم تتمكن إسبانيا من إغراق أوروبا بالذهب، ولا سيما الفضة، إلا بعد أن أذاقت البشر أهوالا لا تطاق.

لكن هذه الثروة المعدنية لم تجلب لإسبانيا الحظ الذي انتظرته، فقد حل الإنفاق الباذخ محل الاستثمار المنتج، وفرغت الأرياف من سكانها، واستنزفت الطموحات الإمبراطورية خزينة الدولة، ولم يلبث المنافسون الأوروبيون، من الفرنسيين والهولنديين والإنجليز، أن شرعوا في مهاجمة قوافلها البحرية ومنشآتها الاستعمارية. وسرعان ما بدأت إسبانيا تدفع ثمن ثرواتها نفسها، فتوالت إفلاساتها حتى فقدت مكانتها المهيمنة في العالم لصالح فرنسا وإنجلترا. وكانت الثروات التي بدا الحصول عليها يسيرا في بداية الغزو قد أصبحت أشد صعوبة في ظل إمبراطورية أضعفها الفقر. فاستغلال ذهب المكسيك وفضة البيرو صار يتطلب أعدادا كبيرة من العمال واستثمارات ضخمة، في حين ظلت النتائج غير مضمونة، وقد لا تتجاوز عائداتها حدودا متواضعة. أما اكتشاف عروق معدنية جديدة، فكان أمرا تحكمه المصادفة، ولم تشجع السلطات الإسبانية البحث عن الذهب. ولم يكن أصحاب المناجم يجدون حافزا حقيقيا إلى الاستثمار وتطوير أعمالهم؛ فوجود عروق معدنية أخرى، وتوافر أيدٍ عاملة رخيصة، جعلاهم أقل ميلا إلى بذل جهود إضافية، لا سيما أن التاج لم يكن يشجع مثل هذه المبادرات بقوة. وعندما نالت البيرو استقلالها، كانت مناجم جبال الأنديز قد بلغت من التدهور حدّا لم يسمح لها بتحقيق الثروة التي حلمت بها البلاد.

وفي القرن الثامن عشر، تولت منطقة ميناس جيرايس في البرازيل دور المناجم الكبرى في المكسيك والبيرو. لكن المستفيد من هذه الثروة الهائلة لم يعد إسبانيا، ولكن البرتغال، التي استعادت استقلالها عام 1640، وكانت تعتمد في مطلع القرن الثامن عشر أساسا على عائدات السكر البرازيلي. ومع ذلك، لم تحقق الثروة المعدنية للبرتغال ازدهارا يُذكر. ففي النصف الأول من القرن الثامن عشر، انغمس التاج والأرستقراطية في إنفاق بذخي، تجسّد خصوصا في تشييد القصر الملكي الضخم في مافرا، المستوحى من قصر الإسكوريال في مدريد. وبلغ عدد العمال المشاركين في المشروع، في ذروة أعمال البناء، خمسين ألفا! ولم يتحول ذهب البرازيل إلى رافعة حقيقية لازدهار الاقتصاد البرتغالي. صحيح أنه أسهم في تمويل جانب من إعادة إعمار العاصمة لشبونة، التي دمرها زلزال عام 1755، لكنه أدى دورا أهم في تزويد السوق الإنجليزية بالذهب، بفضل الاتفاقيات التجارية غير المتكافئة التي احتفى بها ديفيد ريكاردو لاحقا، كما وفر قاعدة مالية أولية ساعدت على انطلاق الثورة الصناعية البريطانية. ومع ذلك، يرى برنار لافاليه أن الذهب البرتغالي لم يكن العامل المالي الوحيد وراء النهضة الاقتصادية البريطانية، خلافا لما دأب بعض المؤرخين البرتغاليين على تأكيده في الماضي بدافع نزعة قومية شديدة الحساسية تجاه مكانة بلادهم.

وبعد استقلال دول أميركا اللاتينية في مطلع القرن التاسع عشر، شهدت القارة موجتين أخريين كبيرتين من التهافت على الذهب، خلدتهما أعمال ثقافية وروائية كثيرة: حمى الذهب في كاليفورنيا عام 1848، وحمى كلوندايك عام 1896. وقد جرت هاتان الموجتان في مناطق نائية من البرية الشاسعة في أميركا الشمالية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في أسطورة إلدورادو. فلم يعد الأمر يتعلق بقبائل هندية تختبئ في أعماق الأدغال، وتجلس فوق أكوام الذهب التي تخفيها عن أعين الغزاة، فقد اكتسبت إلدورادو ملامح المجتمع الأميركي في القرن التاسع عشر، بما يتسم به من روح المبادرة، وحرية المنافسة، والتسابق المحموم نحو الثراء، والإيمان بأن الفرد مسؤول عن صنع ثروته بجهده الخاص. أما حقوق امتلاك الأراضي والاستئثار بالاكتشافات الجديدة، فكان انتزاعها يعتمد على القوة. وفي تلك المناطق الواقعة على تخوم الحضارة، لم تكن العدالة سوى كلمة لا وزن لها.

وتدفقت الحشود إلى مناطق التنقيب. وللمرة الأولى، أدت الصحف، سواء على الساحل الشرقي للولايات المتحدة أو في أوروبا، دورا بارزا في استقطاب الراغبين في الهجرة وتحفيزهم على الرحيل. ففي غضون أسابيع قليلة، دفعت أسطورة الذهب الكاليفورني أعدادا هائلة من المهاجرين إلى التحرك. وانطلق هؤلاء نحو تجسيد الحلم الأميركي: أن تعمل بجد، ويحالفك بعض الحظ، فتغدو ثريا. أما المزرعة الشاسعة التي كان يملكها جون سوتر، والتي اكتُشفت فيها أولى شذرات الذهب، فقد انهار نظامها في وقت وجيز، ولم يُعترف قط بحقوق مالكها. وقد تناول بليز سندرار هذه الواقعة في روايته “الذهب” بأسلوب أدبي بارع، مع إدخال بعض التغييرات على الأحداث التاريخية لتعزيز أثرها الدرامي. ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى خبت حمى الذهب في كاليفورنيا.

وبعد أربعين عاما، عادت إلدورادو لتغوي الباحثين عن الثروة للمرة الأخيرة. فقد اكتُشف الذهب في كلوندايك، في أقصى شمال كندا، الأمر الذي أثار استياء حكومة أوتاوا. واندفع آلاف الرجال إلى المنطقة، متحدّين مناخا قاسيا إلى أقصى الحدود، ومتجهين إلى أطراف العالم المعروف بحثا عن ثروة يصعب بلوغها. لكن استخراج ذهب يوكون كان بالغ الصعوبة في غياب الأدوات الملائمة، والدعم اللوجستي والمالي الذي تستطيع الشركات الكبرى توفيره، والاستثمارات الضرورية. فالشتاء هناك قارس كشتاء سيبيريا، والصيف شديد الوطأة. وهكذا لم يكن وعد إلدورادو بالثراء، بالنسبة إلى عامة الناس، سوى سراب بعيد مخادع.

وقد جمع الباحثون عن الذهب الذين وصلوا إلى كلوندايك ما قيمته عشرة ملايين دولار من شذرات الذهب ورقائقه، بينما جنى من نقلوهم إلى المنطقة، أو باعوهم الأدوات، أو أرشدوهم عبر البراري، ما قيمته ستين مليون دولار. وهذا التفاوت كاشف بحد ذاته: فبالنسبة إلى عامة الناس، ظل وعد إلدورادو كذبة وسرابا ووهما بعيد المنال. وسرعان ما انتهى عصر التهافت على الذهب، لتحل شركات التعدين الكبرى، بما تملكه من إمكانات تقنية وموارد مالية ضخمة، محل البائسين الذين كانوا يطاردون حلم الثراء. وهكذا انطفأت نهائيا أسطورة إلدورادو، التي ظلت قرونا طويلة تعد الناس بالخلاص الفردي عن طريق الذهب.

ومع أن العالم بات محدودا، وقد رُسمت حدوده وقُسّمت أراضيه إلى مناطق وقطاعات، فإن حلم الثراء لم يختف، فقد استمر قائما على أسس مختلفة، مبتعدا نهائيا عن صورة المنقّب عن الذهب والمستكشف، اللذين ينتميان اليوم إلى ماضٍ انقضى. ويقدم كتاب برنار لافاليه عرضا تحليليا مفيدا لهذه الحقبة التي طواها الزمن. وربما كان منهجه القائم على الوقائع، والمائل إلى التفسير المادي، أقل عمقا مما ينبغي في فهم آليات الأسطورة وكيفية تجلياتها الثقافية، لكنه ينجح، مع ذلك، في رسم صورة دقيقة لما كانت عليه حملات البحث المحمومة عن المعادن النفيسة في أميركا خلال الحقبتين الاستعمارية وما بعد الاستعمارية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *