التخطي إلى المحتوى

تُعد كلمات هذه القصيدة القصيرة المغنَّاة، من كلمات الأغاني التراثية الشهيرة وهي تُعرف غالباً بـ “يا زمان الوصل” أو “طلع الفجر ولاح”، وتنتمي إلى نوع السهل الممتنع الذي اشتهر به الشاعر أحمد رامي (1892 – 1981)؛ كلمات بسيطة لكنها تحمل حنينًا جارفًا.

القصيدة – على قصرها – هي “نوستالجيا” أو حنين إلى زمن الطفولة والشباب الباكر (سويعات الصِّبا). الشاعر لا يتحدث عن مكان، بل عن زمان كان يجمع بين البراءة والجمال. وجملة (طلع الفجر ولاح) تعبِّر عن بدايات الحياة المشرقة والمليئة بالأمل.

ونلاحظ أن الرفاق (الخلان) هم الركيزة الأساسية لهذا الزمن، وكلمة (راح) هنا قد تعني السعادة والراحة النفسية وسط الأصدقاء أي الارتياح والنشاط الذي يعبر عن حالة من الهشاشة والنشاط أو الفرح. وقد تعني (الراح) “الخمر”، وهو المعنى الأكثر شيوعًا وتداولا في الشعر والأدب القديم. وربما يقصد الشاعر خمر النشوة والصحبة. ولعلنا إذا تتبعنا ذكر “الخمر” أو رمزياته الصوفية في أغاني أم كلثوم سنجدها في: ” ما لي فُتنتُ بلحظكِ الفتّاكِ” و”الأطلال”، و”حانة الأقدار”، و”سلوا كؤوس الطلا”، و”رباعيات الخيام”، و”هذه ليلتي” وغيرها.

لقد استخدم رامي كلمات رقيقة وعذبة مثل (أُحيلاه، أشهى، أغلى) ليبين القيمة العالية لهذا الزمن في قلبه. كما استخدم التصغير (سويعات) بدلاً من “ساعات” ليوحي بقصر هذا الزمن الجميل، وكأن العمر يمر سريعًا حين نكون سعداء.

وفي قوله: (يا زمان الوصل أهلا .. مرحباً ألفاً وسهلا)؛ يقوم الشاعر بـ “أنسنة” الزمان، حيث يناديه ويرحب به كأنه ضيف عزيز طال انتظاره أو حبيب عاد بعد غياب.

وفي قوله: (مارأت عيناي أحلى) تعبير عن الانبهار، فالشاعر يرى أن صور الماضي تفوق في جمالها أي واقع يعيشه الآن. وفي تعبيره: (كلُّنا فيك افتتن) نرى أن “الفتنة” هنا بمعنى الإعجاب الشديد والتعلق، وهي تُظهر أن هذا الشعور بالاشتياق للماضي ليس فرديًّا (وإنما كلُّنا)، فهو شعور إنساني مشترك.

القصيدة مبنية على نظام المقطوعات القصيرة والقوافي المتكررة (ألفا، صبا، زمن.. أهلا، سهلا، افتتن)، مما يمنحها إيقاعًا راقصًا وخفيفًا ينتمي إلى مجزوء  بحر الرمل (فاعلاتن فاعلاتن)، وهذا هو السبب في تحويلها إلى أغنية أو “نشيد” شعبي يتداوله الناس في المناسبات السعيدة والجلسات التي يسودها الأنس.

إن هذه القصيدة القصيرة المغنَّاة تحتفي بـ “الوصل”؛ وصل القلوب والخلان في زمن البراءة، وتعتبر الماضي أجمل لوحة رأتها العين، وأغلى ذكرى يحتفظ بها القلب. وتمثل مرحلة مهمة في بدايات أم كلثوم، وتحديدًا في الفترة التي كانت تنتقل فيها من طابع “المنشدة” إلى طابع “المطربة” العصرية بمساعدة أحمد رامي.

في عام 1926 زمن غناء القصيدة، كانت أم كلثوم في قمة حيويتها وبداية تشكيل شخصيتها الفنية في القاهرة. وتعاون معها أحمد صبري النجريدي (1900 – 1969) – الذي كان طبيب أسنان وملحنًا هاويًا ومجددًا – فأنتج لها أغنيات تتميز بالخفّة والرومانسية التي تختلف عن القصائد السنباطية الثقيلة التي عرفناها لاحقًا.
الشاعر أحمد رامي في تلك الفترة كان يكتب بعاطفة جياشة وبساطة مُدهشة. وتعكس كلمات “طلع الفجر ولاح” أو “يا زمان الوصل”، أسلوبه في تقديس الذكريات والماضي؛ فهو “شاعر الأطلال” حتى في بداياته، (بعيدًا عن “أطلال” إبراهيم ناجي)، وهو يتناول الذكرى ببهجة وليس بمرارة، مما جعل الكلمات تبدو وكأنها “نشيد للجمال”.

اعتمد لحن النجريدي على إيقاعات رشيقة تناسب أجواء الفجر والنشاط. واستخدم مساحات صوت أم كلثوم القوية والواضحة في تلك السن (28 عاماً تقريبًا)، حيث كان صوتها يتميز برنين حاد ونقي جدًّا. ويُقال إن النجريدي كان يميل إلى الألحان التي تعتمد على “التطريب” السريع والمباشر، وهو ما يظهر في تكرار جمل الترحيب (أهلاً.. مرحبًا ألفًا وسهلاً).

إن هذه الأغنية، أو القصيدة المغنَّاة، تعتبر وثيقة فنية على “النهضة الموسيقية” في العشرينيات، حيث بدأ التحرر من القوالب القديمة (مثل الموشحات والتواشيح الصعبة) نحو “الطقطوقة” الراقية والمونولوج الغنائي الذي يخاطب الوجدان بكلمات قريبة من لغة الناس، مع الحفاظ على الفصحى الرقيقة.

ولعلنا لاحظنا أن بنية هذه القصيدة القصيرة المغنَّاة تعتمد على “الثنائيات المتوازية” والمفارقة الزمنية. حيث تبدأ القصيدة بالفعل الماضي (طلع، لاح) لكنها تصف حالة “تنوير” بصري، وكأن الفجر ليس مجرد وقت، بل هو “حدث” كشفَ ما كان مستورًا من ذكريات. كما لاحظنا استخدام صيغ التعجب والتفضيل (ما أُحيلاه، أحلى، أشهى، أغلى)؛ هذه الصيغ تخلق “هيكلاً هرميًّا” للجمال، حيث يرتقي الشاعر من الوصف العادي إلى ذروة الافتتان. إن القصيدة تعتمد على بنية دائرية؛ تبدأ بالزمن (الفجر) وتنتهي بالاستغراق فيه (كلُّنا فيك افتتن)، ما يجعل النص وحدة موضوعية مغلقة حول فكرة “الزمن الذهبي”.

تطرح القصيدة رؤية فلسفية حول “الجمال والزمن” حيث لا ترى الفلسفة هنا الزمن كعدو يمر، بل كـ “كيان” يُمكن مخاطبته (يا زمان الوصل). الشاعر يرفض حتمية الفناء، ويستحضر الزمن الماضي ليجعله “حاضرًا” عبر النداء. واستخدام كلمات مثل “أشهى” و”أغلى” و”الراح” (الخمر أو الراحة) يعكس فلسفة تعتبر الجمال تجربة حسيّة وروحية متكاملة، بحيث يصبح “الوصل” هو الغاية الوجودية القصوى. وفي قول الشاعر (كلُّنا فيك افتتن)، تتحول التجربة من فردية إلى شمولية، مما يوحي بأن “الجمال الصافي” هو الحقيقة الوحيدة التي يتفق عليها البشر.

وعلى كل حال فإن النص يمثل حالة “الارتداد النكوصي الحميد”، ويشكل حالة من النوستالجيا (الحنين) أو التعبير عن رغبة النفس في العودة إلى “مرحلة الأمان الأولي” (سويعات الصِّبا). نفسيًّا، يهرب الشاعر من تعقيدات الحاضر وصراعاته، إلى براءة الطفولة.

إن المبالغة في الترحيب (أهلاً، مرحبًا، ألفًا، سهلاً) تعكس “خوفًا خفيًّا” من ضياع هذه اللحظة مرة أخرى؛ فكلما زاد التمسك بالترحيب، ظهر عمق الشعور بالحرمان السابق. ووجود “الخلان” يشير إلى حاجة النفس للتماسك الاجتماعي لتحقيق السعادة؛ فالذات هنا لا تجد لذَّتها في الانعزال بل في “المرآة الاجتماعية” (الأصدقاء).

في هذا الحيز الضئيل من الكلمات نلاحظ تلاعبَ مُدهشًا بالخط الزمني في النص، فالزمن الفيزيائي (سويعات الصبا)، يدل على قصر الزمن الجميل في الوعي، بينما يمتد الحزن لسنين. وقد رأينا زمن “البرزخ” بين العتمة والنور، وهو يرمز في النص إلى لحظة “اليقظة الوجدانية” أو استعادة الوعي بالجمال المفقود.

وبوصف الزمان بأنه (أغلى وأشهى)، يُخرجه الشاعر من إطار “التوقيت” إلى إطار “الخلود”، فاللحظة التي “يفتتن” فيها الإنسان تصبح لحظة خارج حدود التقويم.

لقد وجدنا في هذا النص القصير جماليات سمعية وبصرية، وهو يبدأ بـ “لاح” (بصري) وينتهي بـ “أناشيد” (سمعي)، مما يخلق تجربة “سينستيزيا” (تراسل حواس) يشعر بها المستمع لأم كلثوم.

إن لحن النجريدي في تلك الفترة كان يتسم بـ “الفطرية”؛ ولم تكن هناك تعقيدات المقام الموسيقي التي ظهرت لاحقًا. هذا التبسيط الفني يخدم فكرة (البراءة/ الصبا) التي يدور حولها النص، ويجعل الأغنية تنتمي لزمن “السلطنة”، حيث كان الهدف هو إيصال السامع لحالة من “النشوة” (الافتتان)، وهو ما يتطابق تمامًا مع آخر كلمة في النص. ونشير إلى أن هذه القصيدة ليست مجرد غناء للفجر، بل هي محاولة إنسانية لاستعادة الفردوس المفقود عبر الكلمة والنغم.

ونتوقف أمام البيت أو السطر الأخير (كلُّنا فيكَ افتتنْ) فهو يمثل “قفلة” عبقرية للنص، وهو من الناحية الفنية والنفسية يغلق الدائرة الشعورية التي بدأها الشاعر.

كلُّنا (الجمع) حيث انتقل الشاعر من “أنا” المتحدث (مارأت عيناي) إلى “نا” الجماعة. هذا الانتقال يحول التجربة من ذاتية فردية إلى تجربة إنسانية عامة، وكأن الجمال الذي يصفه بلغ حدًّا لا يمكن لشخص واحد أن يستأثر به.

فيك (المخاطب) يعود الضمير هنا على “زمان الوصل”. واستخدام حرف الجر “في” يوحي بالانغماس، أي أن الفتنة ليست سطحية بل هي استغراق أو انغماس “داخل” هذا الزمن. اختيار فعل “افتُتن” المبني للمجهول في معناه الضمني (أي وقعت عليه الفتنة)، وهو فعل قوي، يعبر عن سلب الإرادة أمام الجمال.

يطرح البيت فكرة أن “الجمال المطلق” يوحد البشر. فعندما يظهر “زمان الوصل”، تذوب الفوارق بين الأفراد ويصبح الجميع (كلنا) في حالة ذهول واحدة.

وقد لاحظنا أن الفتنة هنا ليست شرًّا، بل هي “الانبهار” الذي يُخرج الإنسان من وعيه المنطقي إلى وعيه الجمالي. الفلسفة هنا تقول إن الغاية من الزمان الجميل هي أن يوصلنا لحالة “الدهشة”. ففي اللحظات العاطفية الكبرى، يحتاج الإنسان للشعور بأن الآخرين يشاركونه نفس الوجد. قول رامي (كلُّنا) هو محاولة نفسية لتعميم اللذَّة، وتأكيد أن هذا الزمان كان “فردوسًا” للجميع وليس له وحده. “الافتتان” نفسيًّا يعني كسر دفاعات الأنا  Ego)) أمام موضوع الحب. النفس هنا تعلن هزيمتها الممتعة أمام ذكريات الصبا.

ونشير إلى أنه عندما يصل الإنسان لمرحلة الافتتان، يتوقف إحساسه بمرور الزمن. والبيت ينهي القصيدة بحالة من “الجمود الساحر”؛ فالزمن الذي بدأ بـ “طلع الفجر ولاح” انتهى بأن أصبح هو نفسه موضوعًا للافتتان، مما يُلغي التراتبية الزمنية (ماضٍ، حاضر، مستقبلاً) ويجعلها لحظة “أبديَّة”.

في غناء أم كلثوم لهذا المقطع (بإرشاد النجريدي)، نجدها تنهي الجملة بنوع من “الاستقرار” الموسيقي الذي يعطي شعورًا بالاكتفاء. فكلمة “افتتن” تُنطق بقوة تعبيرية تظهر الحسم، وكأنه لا يوجد قول بعد هذا القول. ولحنيًّا، تمثل الجملة ذروة الانفعال، ثم الهبوط للقرار، مما يعطي المستمع إحساسًا بأن حالة الانبهار قد اكتملت.

نخلص إلى أن هذا البيت هو “التوقيع الجماعي” على صك الجمال. لقد بدأ رامي بوصف الفجر، لكنه انتهى بوصف أثره في النفوس، محولاً الزمن من “ساعات” تمر إلى “فتنة” باقية.

إن أداء أم كلثوم لكلمة “افتتن” في ذلك التسجيل المبكر (1926)، يظهر عبقريتها الفطرية في استخدام “العُرب الصوتية ليس كزينة شكلية، بل كأداة لتعميق المعنى النفسي. فعندما تنطق أم كلثوم المقطع الأول من الكلمة (افـتـ…)، لا تؤديها كخط مستقيم، بل تضع فيها “هزة” أو “رعشة” خفيفة. هذه العُربة الصوتية تترجم حالة الارتباك الجميل الذي يحدث للإنسان عندما يفتتن بشيء؛ فالصوت هنا لا يغني فقط، بل “يرتعش” انبهارًا. وقد لاحظنا أن أم كلثوم لم تكن تغني الكلمة، بل كانت “تجسد” الحالة؛ فالعُربة هنا هي “تنهيدة” مسموعة، والقفلة هي “إغماضة عين” أمام جلال الجمال.

وعندما نقارن بين جملة “طلعَ الفجرُ ولاح” (1926) والبيت “وإذا النُّورُ نَذِيرٌ طَالعٌ وإِذا الفجرُ مُطِلٌّ كالحَرِيقْ” في قصيدة “الأطلال” (1966) فإننا نقارن بين “فجر” الرحلة و”ذروة” النضج؛ حيث يفصل بينهما 40 عامًا من الخبرة الوجودية والصوتية.

في “طلع الفجر” (الفتنة البكر)، صوت أم كلثوم هناا “خارجي” ومنطلق؛ العُرب فيه سريعة، رشيقة، ومندفعة. والفتنة هنا هي حالة “دهشة صبية”، صوتها يطارد النغمات بمرونة مذهلة تعكس حيوية الجسد والروح في سن العشرينيات. وفي “الأطلال” نجد (الفتنة الموجعة) والصوت أصبح “داخليًّا” وعميقًا؛ العُرب لم تعد زينة، بل أصبحت “آهات” فلسفية. الفتنة هنا ليست انبهارًا بالوصل، بل هي صمود أمام “أطلال” هذا الوصل. الصوت هنا لا يطارد النغمة، بل “يحتويها” ويحملها بوقار السنين.

الماضي في قصيدة رامي هو “زمان الوصل” الذي نرحب به (أهلاً وسهلاً). والذكرى هنا استعادة سعيدة لزمن الخلان والصبا. الفلسفة هي “الاستمتاع باللحظة”. والماضي في “الأطلال” هو “قيد” نطلب التحرر منه (أعطني حريتي). الذكرى هنا مواجهة دامية مع الفقد. الفلسفة هي “تحليل الألم” والوقوف على بقايا الحب بشموخ وانكسار في آن واحد.

في عام 1926، كان “الفجر” هو الرمز؛ وهو زمن البدايات والأمل والضوء الذي “لاح” ليبشر بيوم جديد. أما في عام 1966 – وبعد أربعين عاما – فقد أصبحت “الأطلال” هي الرمز؛ وهي بقايا ما بعد الغروب، حيث لا يوجد ضوء جديد، بل تأمل في “ما كان”. الزمان في الأطلال “محبس” (في حبس من ذكرياتي)، بينما في طلع الفجر كان “ملعبًا” (بين خلان وراح).

ومن المدهش أن رامي هو من كتب النص الأول، وشارك مع أم كلثوم في صياغة النص الثاني. فرامي كان رفيق درب أم كلثوم وصائغ وجدانها. في البداية، كتب لها ما يناسب “خفة روحها”؛ فكانت الكلمات قصيرة، رشيقة، ومبهجة. وفي النهاية، (عدّل لها) ما يناسب “ثقل تاريخها”؛ فصارت الكلمات عبارة عن “حكم” ومواقف وجودية كبرى.

في القصيدة الأولى نسمع (كلُّنا فيك افتُتن)، وهي قفلة “عمودية”؛ تصعد للأعلى لتعلن السعادة والذهول. وفي الثانية “كان صرحًا من خيالٍ فهوى”، القفلة “أفقية”؛ تمتد بعمق لتعبر عن الارتطام بالواقع والقبول بالقدر.

ونخلص إلى أن أم كلثوم انتقلت من “الافتتان بالزمان” (كمن يرى الفجر لأول مرة) إلى “الترفُّع على الزمان” (كمن روّض الدهر وخبر تقلباته). في الأولى كانت تغني للحب الذي يبدأ، وفي الثانية غنَّت للحب الذي “خلد” رغم انتهائه.

كلمات قصيدة “طلع الفجر ولاح”:

طلع الفجر ولاح ** فى سويعات الصِّبا

بين خلان وراح ** وأناشيد الصَّبا

ما أُحْيلاه زمنْ

يا زمانَ الوصل أهلا ** مرحبًا ألفًا وسهلا

ما رأت عينايَ أحلى ** منك بل أشهى وأغلى

كلُّنا فيكَ افتُتنْ.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *