
عادت أسعار الذهب العالمية إلى الارتفاع خلال تعاملات الاثنين 12 أكتوبر 2026، متجاوزة مستوى 4200 دولار للأونصة، مستفيدة من تراجع أسعار النفط وانخفاض عوائد السندات الأميركية، في تطورات خففت الضغوط التي واجهها المعدن النفيس خلال الفترة الماضية، وأعادت إلى الأسواق قدراً من التفاؤل بشأن مسار أسعار الفائدة خلال المرحلة المقبلة.
وجاء هذا التحرك بعدما سجل الذهب مكاسب أسبوعية بلغت 1.3% خلال الأسبوع الماضي، في وقت اتجه فيه المستثمرون إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن السياسة النقدية، بالتزامن مع تراجع عوائد السندات طويلة الأجل من مستويات مرتفعة سجلتها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما عزز جاذبية المعدن الأصفر، الذي لا يحقق عائداً لحائزيه.
وساهمت هذه المتغيرات في دعم أسعار الذهب، خاصة أن ارتفاع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض عادة ما يزيد الضغوط على المعدن النفيس، إذ يمنح الأصول المدرة للعائد ميزة تنافسية أكبر لدى المستثمرين، بينما يؤدي تراجع تلك العوائد إلى تقليل تكلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالبدائل الاستثمارية الأخرى.
تراجع النفط يعزز فرص الذهب مع انحسار توقعات رفع الفائدة
ارتبط تحسن أداء الذهب بانخفاض أسعار النفط، بعدما أثار تراجع الطاقة آمالاً في إمكانية تراجع الضغوط التضخمية، بما قد يقلل حاجة البنوك المركزية إلى مواصلة تشديد السياسة النقدية أو اتخاذ قرارات جديدة برفع أسعار الفائدة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية بالنسبة إلى أسواق المعادن النفيسة، لأن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يغذي التضخم ويزيد احتمالات استمرار تكاليف الاقتراض عند مستويات مرتفعة، وهو ما يضغط على الذهب الذي لا يوفر عائداً دورياً. وفي المقابل، قد يمنح انخفاض النفط صانعي السياسة النقدية مساحة أكبر لتقييم الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى تشديد إضافي، الأمر الذي يدعم تحركات المعدن الأصفر.
كما ساعد تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل على الحد من الضغوط الواقعة على الذهب، بعدما وصلت تلك العوائد إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات. وانخفضت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً يوم الجمعة الماضي، وهو ما أسهم في دعم أسعار الذهب خلال تعاملات الاثنين، بالتزامن مع إغلاق الأسواق الأميركية.
ونقل التقرير عن كريستوفر وونغ، الاستراتيجي لدى بنك «أوفرسي-تشاينيز بانكينغ» (Oversea-Chinese Banking Corp)، أن انخفاض عوائد السندات طويلة الأجل، إلى جانب تراجع أسعار النفط، يوفر قدراً من التفاؤل الحذر بشأن مستقبل الذهب.
أسعار الذهب والفضة والمعادن النفيسة خلال التعاملات الآسيوية
على صعيد التداولات، ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.3% ليصل إلى 4206.86 دولار للأونصة بحلول الساعة 9:10 صباحاً بتوقيت سنغافورة، مواصلاً التداول فوق المستوى النفسي البالغ 4200 دولار، وسط متابعة المستثمرين لتطورات أسواق الطاقة والسندات والتوقعات المتعلقة بأسعار الفائدة.
ولم تقتصر المكاسب على الذهب، إذ صعدت الفضة بنسبة 0.6% لتسجل 60.99 دولار للأونصة خلال التعاملات الآسيوية، كما سجل البلاتين والبلاديوم ارتفاعاً، في حين تراجع مؤشر بلومبرغ للدولار الفوري بنسبة 0.1%.
وأظهرت بيانات التداول الواردة في التقرير تحركات متفاوتة بين المعادن النفيسة، إذ سجل الذهب الفوري في أحد مؤشرات السوق 4183.73 دولار، بانخفاض قدره 10.51 دولار، بما يعادل 0.25%، فيما بلغ سعر عقود الذهب في بورصة كومكس 4208.60 دولار، متراجعاً 7.70 دولار، أو 0.18%.
وفي سوق البلاتين، سجل المعدن 1703.20 دولار، مرتفعاً 9.90 دولار بنسبة 0.58%، بينما وصل البلاديوم إلى 1156.41 دولار، بزيادة 1.55 دولار تعادل 0.13%. أما الفضة في عقود كومكس فسجلت 61.11 دولار، بارتفاع 0.06 دولار بنسبة 0.10%، في حين بلغ سعر الفضة مقابل الدولار الأميركي 60.81 دولار، مع تراجع طفيف نسبته 0.01%.
وتعكس هذه الأرقام اختلاف التحركات بين مؤشرات الأسعار وأدوات التداول، إلى جانب تغير الأسعار خلال فترات الرصد المختلفة، ما يجعل متابعة توقيت البيانات ونوع المؤشر أمراً مهماً عند مقارنة أسعار المعادن النفيسة.
مخاطر الحرب في الشرق الأوسط تضع الأسواق أمام سيناريوهات متباينة
على الرغم من الدعم الذي تلقاه الذهب من تراجع النفط وعوائد السندات، لا تزال التطورات الجيوسياسية تلقي بظلالها على الأسواق العالمية، في ظل استمرار مخاطر اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية وضغوط تضخمية.
وتراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الاثنين، بينما تابع المتعاملون إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا وأوكرانيا ستلتزمان بوقف لإطلاق النار في قطاع الطاقة، على أن يسري الاتفاق فوراً. وأثار الإعلان اهتمام الأسواق بإمكانية انعكاس التهدئة على إمدادات الطاقة وحركة الأسعار، في وقت تظل فيه التطورات السياسية والعسكرية عاملاً مؤثراً في اتجاهات التداول.
وفي المقابل، تعرض المطار الرئيسي في السعودية لهجوم من الحوثيين يوم الأحد، بعد يوم واحد من ضربة استهدفت المنشأة وأسفرت، بحسب التقرير، عن وفاة 12 شخصاً. وأعادت هذه التطورات المخاوف من اتساع رقعة المواجهات في المنطقة، بما قد يفرض ضغوطاً إضافية على أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط ويؤثر على توقعات الأسواق بشأن التضخم والطاقة.
وتضع هذه العوامل الذهب أمام مجموعة من المؤثرات المتعارضة؛ فمن ناحية، يدعم تراجع النفط وانخفاض عوائد السندات تحركات المعدن النفيس، ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي تصاعد التوترات الجيوسياسية إلى زيادة التقلبات في أسواق الطاقة والعملات والسندات، وهو ما ينعكس بدوره على قرارات المستثمرين.
وتظل تحركات الذهب خلال الفترة المقبلة مرتبطة بمدى استمرار تراجع أسعار النفط وعوائد السندات، إلى جانب تطورات الصراعات الإقليمية ومسار توقعات أسعار الفائدة. وفي ظل هذه المعطيات، يراقب المستثمرون المؤشرات الاقتصادية والسياسية لتحديد اتجاهات السوق، مع استمرار تأثير العلاقة بين التضخم وتكاليف الاقتراض والأوضاع الجيوسياسية على أداء المعدن النفيس.

التعليقات