التخطي إلى المحتوى

ماذا عن ملامح البدايات والعلاقات الأولى بالرسم والتلوين؟

علاقتي بالرسم في مرحلة الطفولة.. لم تكن لديّ خلال طفولتي أية علاقة خاصة بالرسم أو الفنون التشكيلية، فقد كنتُ طفلة تميل إلى الصمت وأحلام اليقظة، ولكنني كنتُ شغوفةً بالقراءة قبل كل شيء.

كنا نسكن بالمدرسة الابتدائية التي كان والدي يديرها. وبعد انتهاء الدروس، وبينما كان إخوتي وأخواتي يلعبون في الساحة، كنتُ أتسلل إلى مكتب والدي لأقرأ، وغالبًا ما كنتُ أستمر في القراءة حتى حلول الظلام… كانت القراءة عالمي وشغفي وملاذي أيضًا، بل ووسيلةً للعلاج النفسي بطريقةٍ ما، إذ كانت تتيح لي نسيان بعض الأحداث المؤلمة والعيش في عالم داخلي غنيّ للغاية.

إذن كيف نشأ هذا الشغف بالرسم؟

لقد دخل الرسم حياتي في مرحلة متأخرة نسبيًا قبيل تقاعدي بقليل.. وقبل ذلك كنتُ قد درستُ الفلسفة ثم عملتُ بتدريس اللغة الفرنسية لمدة ثمانية عشر عامًا قبل أن أصبح مستشارةً توجيهية… فلقد علمتني الفلسفة دقة التفكير وعمقًا معينًا في الملاحظة، أما مجال التدريس فقد علمني الكثير بخصوص فن الإصغاء والتواصل مع الآخرين. وعند النظر إلى الماضي، أدرك أن هذه التجارب قد أفادتني بلا شك في عملي كرسامة للبورتريه.

أما اكتشافي الحقيقي للرسم فقد جاء بفضل لقاء كان له أثر كبير في حياتي.. ففي سن الخمسين تقريبًا تزوجتُ للمرة الثانية من جراح أعصاب بارز، وكان مثقفًا وشغوفًا باللغات. وذات يوم، وبعد أن رآني وأنا أزين منزلي وأصنع بنفسي شتى الأشياء الصغيرة، قال لي بإعجاب: “أمينة… أنتِ فنانة!” فهو الذي شجعني على تلقي دروس في الرسم.

في البداية، كنت أطمح فقط إلى تعلم رسم بعض اللوحات الزخرفية، ولم أكن أتخيل إطلاقًا أن يحتل الرسم حيزًا كبيرًا كهذا في حياتي.

من شجّعكِ في البداية؟

كان زوجي هو الداعم الأول لي.. فقد آمن بي حتى قبل أن أعتبر نفسي فنانة. ولكنني اضطررت بعد ذلك إلى التعلم بمفردي في الغالب، إذ أعتبر نفسي عصامية في جزء كبير من مساري الفني.. قرأتُ ودرستُ كثيرًا وتأملتُ الأعمال الفنية في المتاحف وتابعت أعمال وإبداعات الفنانين وخضتُ تجارب عملية عديدة.

يتطلب الأمر الكثير من المثابرة، لكنني أحب التعلم حتى يومنا هذا.. وأشعر أن كل اكتشاف جديد وكل خطوة صغيرة يمنحاني نحو الأمام قدرًا كبيرًا من السعادة.

كيف وقع اختياركِ على فن “البورتريه” (رسم الوجوه)؟

لقد غيّر حدثٌ ما علاقتي بالرسم تغييرًا جذريًا… فخلال فترة الثورة التونسية، تلقيتُ نبأ اغتيال الناشط السياسي محمد البراهمي وهو ما أثّر فيّ بعمق. كنتُ حينها قد بدأتُ للتو اكتشاف الرسم بالألوان المائية (الأكواريل) وممارسته بجهدٍ ذاتي، فحاولتُ بشكل عفوي رسم بورتريه له.

كان العمل -بطبيعة الحال- نتاج تجربة مبتدئة لكنه كان صادقًا. نشرتُ اللوحة على فيسبوك وتأثرتُ كثيرًا بحجم التجاوب والتفاعلات وعبارات التشجيع التي تلقيتها من أصدقائي.

ومنذ تلك اللحظة بدأتُ أهتم تدريجيًا برسم الوجوه. في البداية كان هدفي تخليد شخصيات تركت بصمة في تونس في مجالات شتى كالسياسة والأدب والشعر… فرسمتُ بورتريهات عديدة للزعيم بورقيبة، وللشهداء، ولمحمود المسعدي، وللشعراء مثل أولاد أحمد ونور الدين صمود وأبي القاسم الشابي وغيرهم… كما اهتممتُ أيضاً برسم وجوه لتونسيين عاديين. لم أكن أبحث عن مجرد محاكاة الملامح (الشبه)، بل كان اهتمامي ينصبّ أكثر فأكثر على الهوية وتعبيرات الوجه وأثر الزمن (العمر) وما يمكن للوجه أن يرويه من حكايات، وقبل كل ذلك، النظرة.

كيف تطوّر أسلوبك في الرسم؟

مع مرور الوقت، شعرتُ بالحاجة إلى تجاوز البورتريه التقليدي والمحاكاة الفوتوغرافية للواقع. واليوم، ينصبّ اهتمامي أكثر على الكتل والقيم اللونية والضوئية والضوء والخطوط الخارجية التي تتلاشى وتعود للظهور. أحب أن تبرز الشخصية أحيانًا بشكل تدريجي وكأنها تولد من خضمّ الفوضى التي تشكلها الأشكال والألوان.

ومع ذلك، لا أعتبر أنني تخليتُ عن رسم البورتريه، بل عكس ذلك تمامًا. فعندما يميل أسلوبي نحو التجريد، أظل متمسكة بشدة بالعنصر البشري وبالنظرة الإنسانية.. أعتقد أنني انتقلتُ تدريجيًا من الرغبة في تصوير وجهٍ ما إلى الرغبة في إظهار “حضورٍ” ما.

ما الذي أضافه الرسم إلى شخصيتك وحياتك؟

لقد أصبح الرسم بمثابة الأكسجين الذي أتنفسه في حياتي… اليوم، وبعد أن غادر أبنائي المنزل، لا أعاني من الوحدة، إذ أستيقظ صباحًا ولدي رغبة جامحة في الإبداع والسعادة بمواصلة رحلتي الفنية…

كما علمني الرسم أن أتقبل فكرة “عدم المعرفة والرغبة في المزيد من التعلم”. أنا فخورة بالمسار الذي قطعته، لكنني لا أركن إلى الرضا عن الذات، بل بالعكس أرى أن أمامي الكثير والكثير لأتعلمه.. وما أحبه بالتحديد هو أن أستمر في التعلم. فكل خطوة أخطوها تملؤني بالفرح…

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *