التخطي إلى المحتوى

بزنس زد .. احذر أن تدفع ثمن المنتج وتظل أنت السلعة

كان البطل الأسطوري “أخيل” يركض بأقصى سرعته، محاولًا اللحاق بخصمه في سباق بدا محسومًا لصالحه، لكنه كلما اقترب من منافسه، وجده قد تقدم خطوة أخرى.

 

المفارقة أن من استعصى على أسرع أبطال الأساطير اليونانية لم يكن محاربًا خارقًا أو عداءً استثنائيًا، بل مجرد سلحفاة!

 

 

قبل نحو 2500 عام، طرح الفيلسوف اليوناني “زينون الإيلي” هذه المفارقة، مفترضًا أن السلحفاة بدأت السباق متقدمة على أخيل؛ ولكي يتجاوزها، عليه أولًا الوصول إلى موضع انطلاقها.

 

المشكلة أن السلحفاة دائمة التقدم وإن كانت بطيئة، وبالتالي فحين يصل “أخيل” إلى موضعها الجديد تكون قد تحركت مجددًا، وعليه الوصول إلى موضع آخر.

 

فمثلًا يبدأ السباق بفارق 100 متر، وعندما يقطعها “أخيل”، يتقلص الفارق إلى 20 مترًا ثم 4 أمتار ثم أقل من متر وهكذا، تتناقص المسافة بينهما لكنها لا تنتهي أبدًا.

 

هذه المفارقة، رغم أن الرياضيات الحديثة قدمت حلًا لها، تجد صدى مختلفًا في أسواق المال الحديثة، حيث يطارد المستثمرون فرصًا تبدو قريبة المنال، بينما يسهم اندفاعهم وراءها في دفع أسعارها بعيدًا عنهم.

 

وهذا تحديدًا ما رصدته دراسة أكاديمية حديثة، كشفت أن توصيات المؤثرين الماليين لا تقود متابعيهم بالضرورة إلى الأرباح، بل قد تجعلهم وقودًا لارتفاعات سعرية مؤقتة يستفيد منها من سبقوهم إلى السوق.

 

سباق خاسر بالثواني

 

– حللت الدراسة، التي أعدها باحثون من بينهم “برايان روزمان” الأستاذ المشارك للتمويل بجامعة أوكلاهوما ستيت، توصيات تداول عقود الخيارات داخل 15 مجموعة مدفوعة الاشتراك على منصة “ديسكورد”.

 

– وجد الباحثون أن سعر عقد الخيار الموصى به يرتفع بمتوسط 3% خلال الدقيقة الأولى من نشر التوصية، فيما تقفز مشتريات المستثمرين الأفراد بمقدار يعادل 14.5 انحراف معياري فوق مستوياتها المعتادة.

 

 

– لكن تلك القفزة تتلاشى آثارها عادة خلال ساعتين، بينما تصبح عوائد المشتركين سالبة بعد احتساب تكاليف التداول، حتى لمن ينفذون التوصية خلال ثوانٍ من نشرها.

 

– تتضاعف الخطورة بالنظر إلى طبيعة العقود الموصى بها؛ إذ تنتهي صلاحيتها في المتوسط خلال 3 أيام، مع رافعة مالية ضمنية تقارب 30 مرة، ما يجعلها شديدة الحساسية للتقلبات.

 

ماذا يعني ذلك ببساطة؟

 

– تخيل أن مؤثرًا ماليًا اشترى عقد خيار مقابل 100 دولار، ثم أوصى آلاف المتابعين بشرائه، فتدافعوا لتنفيذ التوصية، ليرتفع سعره إلى 103 دولارات خلال دقيقة واحدة.

 

– هذه هي المشكلة؛ فالمتابع يشتري بسعر أعلى، بينما لم يتبق أمامه سوى 3 أيام لتنفيذ العقد قبل انتهاء صلاحيته، ومع الرافعة، قد يتحول انخفاض طفيف للسهم إلى خسارة كبيرة، وربما يفقد المستثمر كامل أمواله.

 

– هنا تظهر المفارقة: يدفع المستثمر اشتراكًا للحصول على فرصة ربح، ثم يساهم بأمواله في رفع تكلفة اقتناصها، بينما يتمتع صاحب التوصية بأفضلية الدخول المبكر.

 

– بهذه الطريقة تنقلب الحكمة الشهيرة في العصر الرقمي “إذا كنت لا تدفع ثمن المنتج، فأنت هو المنتج” إلى “إذا كنت تدفع ثمن المنتج قد تظل أنت المنتج أيضًا”.

 

هل الشهرة دليل على المهارة؟

 

– في مارس 2025، كشفت دراسة لجامعة أوتريخت الهولندية، شملت 453 توصية قدمها 21 مؤثرًا ماليًا، أن التوصيات تميل إلى ملاحقة الأسهم والعملات المشفرة التي حققت ارتفاعات قوية بالفعل.

 

– أداء تلك الأصول بعد نشر التوصيات كان سلبيًا عادة، ما يشير إلى أن بعض المؤثرين لا يكتشفون الفرص بقدر ما يلفتون الأنظار إليها بعدما تكون قد حققت جانبًا مهمًا من مكاسبها.

 

 

– في أغسطس 2026، توصلت دراسة نشرتها دورية “فاينانس ريسيرش ليترز”، بعد تحليل 1056 توصية صادرة عن 44 مؤثرًا عبر “إنستجرام” إلى نتائج مشابهة.

 

– حيث تبين أن التوصيات حققت مكاسب نسبية محدودة على المدى القصير، وتخلفت عن مؤشرات السوق على المدى الطويل.

 

– الأكثر إثارة أن عدد المتابعين، وكثافة المنشورات، وعمر الحساب لم تكن مؤشرات موثوقة على جودة التوصيات، ما يقوض الافتراض الشائع بأن شهرة المؤثر تعكس بالضرورة كفاءته الاستثمارية.

 

– أظهر مسح لمؤسسة “فينرا” الأمريكية أن 61% من المستثمرين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا يعتمدون أحيانًا أو كثيرًا على توصيات المؤثرين عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.

 

من يربح إذن؟

 

– لا تعني النتائج أن جميع المؤثرين محتالون، أو أن توصياتهم عديمة القيمة؛ فبعضها يقدم معلومات مفيدة، لكن الدراسات تكشف تضاربًا محتملًا بين مصالح مقدم التوصية ومتابعيه.

 

– فالمؤثر قد يستفيد من الاشتراكات والمشاهدات، وربما من تحركات الأسعار إذا كان يمتلك الأصل الموصى به، بينما يتحمل المتابع مخاطر التنفيذ المتأخر والرسوم والتقلبات، دون ضمان تحقيق العائد المنتظر.

 

 

– هكذا، يعود سباق “أخيل” والسلحفاة بصورة أكثر غرابة؛ فالمستثمر لا يفشل بالضرورة لأنه أبطأ من منافسه، وإنما لأن اندفاعه للحاق به قد يزيد المسافة بينهما.

 

– كان عجز “أخيل” عن تجاوز السلحفاة (رغم دلالته الفلسفية القوية عن التناقضات الظاهرة في فهمنا للحركة والمكان والزمان) مجرد استنتاج خاطئ من الناحية الرياضية.

 

– أما في الأسواق المالية، فقد تكون الخسائر حقيقية تمامًا، خاصةً عندما تتحول التوصية التي يفترض أنها تساعد المستثمر على اقتناص الفرصة إلى وسيلة ترفع ثمنها عليه.

 

المصادر: أرقام- بلومبرج- مؤسسة “فينرا” الأمريكية

دراسات وأبحاث: Amplifying noise or delivering alpha? Performance evaluation of finfluencer stock recommendations– Influencers and Consumer Financial Decision-Making– Finfluencers and Retail Option Trading by

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *